علي أبو الريش يحلق في ثقافة «الغربية»

%d8%b9%d9%84%d9%8a-%d8%a3%d8%a8%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%8a%d8%b4-%d9%8a%d8%ad%d9%84%d9%82-%d9%81%d9%8a-%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ba%d8%b1%d8%a8%d9%8a%d8%a9

يكتبها : يوسف أبولوز

علي أبو الريش كائن لغوي مصنوع من الكتابة، يخيل إليك أن كل وقت هذا الرجل مكرس للقلم والورق، والسرد، والتأمل، وأكثر من ذلك كأنه يؤمن تماماً بالعبارة التي تقول.. إن أجمل ما سيكتب هو ما لم يكتب بعد.
روائي وقاص متدفق، صحفي عريق، شاعر قديم وهو واحد من بين أفضل 100 روائي عربي، يعمل بهدوء، لم يهجر الكتابة ذات يوم، لم يتوقف عند مجد واحد أو نجاح واحد، صبور، والكتابة تحتاج إلى الصبر، مواظب ومنظم ويعرف القيمة الذهبية للوقت.. والكتابة تحتاج إلى الصبر والمواظبة والتنظيم والوقت. كاتب نهري إن جازت العبارة أي أنه سلس وانسيابي ورقراق مثل ماء النهر، أو أنه كاتب من سلالة البحر، ولا عجب في ذلك فهو ولد بالقرب من الماء، كاتب (رملي)، ولا عجب في ذلك ففي ذاته المبدعة يتموج رمل الصحراء، وأجمل ما في النص السردي والوصفي والتأملي عند علي أبو الريش هو ذلك الشعاع الشعري النبيل في كل ما يكتب.
لا بد أن يحضر إليك كل ذلك وأنت تقرأ علي أبو الريش في كتابه المولود من رحم الشعر: «الغربية طائر بثمانية أجنحة تأملات في فلسفة الرمل والمكان»، وقد رأيت، ونحن في ظلال يوم الشهيد وروح الاتحاد أن أبدأ أولاً من نصين له في هذا الكتاب العذب بعنوانين ماثلين في قلب كل إماراتي وهما: (الإمارات) و(الاتحاد).

في نصه (الإمارات.. الإشراقة) يقول: «أنتِ هنا تنحدرين من سطوة الإلياذة العظيمة من براعة هوميروس في صياغة الفكرة وترتيب وجدان الناس بسجادة الحلم البهي، أنت هكذا تجذرين التاريخ على صفحات القلب، وتلونين المشهد بلون الصحراء والرمل العريق..».
كل مفردة إماراتية حاضرة في هذه الكتابة النورانية.. الماء، الصحراء، الرمل، الحجر، والشجر والإنسان.. يحضر أيضاً التاريخ وتحضر الأسطورة، ومرة ثانية تحضر لغة الشعر.
في نصه (الاتحاد.. الجواد والعماد والسداد) يقول: «.. أنت يا وطن لوحة الشطرنج المتوجة بالنصر، وأنت الفكر الذي تجاوز حدود الفكر، وأنت السحر القابض على حروز السحر، أنت البدر في بدر، أنت النحر المتحدر من عقود النحر، وأنت الدوحة الفيحاء، أنت النسر المجنح في أعطاف كون، وأنت الصخب والسكون، أنت البوح واللهج الميمون».
مرة ثانية.. نحن أمام كتابة طوفانية.. مروحية.. مائية، رملية. كتابة متواليات شعرية نثرية وصفية وراءها حب كاتب لوطنه.. حب كاتب لكل ذرة رمل في بلاده، حب كاتب عاشق لكل نقطة ماء في أرضه، حب كهذا إلى الرسم، والموسيقى، والبوح في إطار واسع من التأمل.
تأملات علي أبو الريش مستندة إلى ثقافته وتكوينه المعرفي الذي يعود في جذر من جذوره إلى الفلسفة.. إنه لا يحنو على المكان الإماراتي فقط، بل، ويستنشقه.. يتشربه، يتشبع به، يحسه، يلمسه، يحمله.. ويفلسفه.. يقول.. «.. للأمكنة.. رحيق التراب المبلل بالعرق، وشهيق الكائنات المتواصلة مع شراشف الأرض المجيدة.. للأمكنة نهار لا يعسعس ليله، ولا تتنفس عتمته إلا على لألأة النجوم الراهبة عند أبواب السموات العلا..».
يتأمل علي أبو الريش في طبيعة وحيوية وجماليات أمكنة قلبه، وأمكنة حياته، ومفردات بلاده: مدينة زايد، مدينة ليوا، مدينة المرفأ، غياثي، مدينة السلع، دلما،.. وفي العنوان الذي حمل اسم الكتاب وهو:
«الغربية طائر بثمانية أجنحة..» يقول.. «.. في الخاصرة الغربية لجغرافية البلاد، وعلى مسافة (350كم) من المدينة الفاضلة، وفي الفاصلة تقطن شجرة الخلود، مداها 100عام من زمن الثبات والنبات..».
يتأمل علي أبو الريش المكان وإشاراته وظواهره.. ناسه ونباتاته، وأعشابه، وأشجاره: (السدرة)، (الغافة)، (النخلة).. يتأمل عبقرية الأشياء والكائنات. يتأمل: (البيدار)، (البارجيل)، (البوم)، (الغواص)، (النورس)، (الأزقة القديمة)، (الجسور)، (الحصون).. يتأمل في فضاء بلاده الحيّ والحيوي محمولاً على أجنحة الحنين أولاً وقبل أي شيء.
قسم علي أبو الريش كتابه إلى خمسة فصول: (فصل طائر وأجنحة)، (فصل عيون وغصون)، (فصل حنين الأشرعة)، (فصل آثار وأسفار)، (فصل جذور)، وهذه الفصول الخمسة (يولد) منها نص مكتمل، متدرج في مبناه وفي معناه.. نص يبدو ظاهرياً على أنه قائم على التقطيع، ولكن هذا التقطيع الذي تفرضه تقنية الكتابة بهذه الروحية، وبهذه الحرفية يتكامل، ويتصاعد، ويتآلف.. ليشكل في النهاية ما يشبه (سردية شعرية) غزيرة.
اللغة هي سيدة هذه الغزارة أولاً وأخيراً، إن على أبو الريش يمتلك معجماً كبيراً من المجازات، والاشتقاقات، والمتواليات الأبجدية (النهرية الرملية). لا تشبه الجملة الواحدة أية جملة أخرى في أي فصل من الفصول، وربما يعود ذلك إلى استحضاره مرجعيات تاريخية ودينية وثقافية وعلى سبيل المثال:.. «.. النورس.. نونك قلم البحر، وسطرك تلك الموجة البيضاء، تسأل الله أن يحفظ السائرين في رحاب الموج، تحت جنح الوحشة..».
يعود علي أبو الريش إلى (النهام) وهو مغني البحر في زمن الغوص على اللؤلؤ، وهو أيضاً مفردة معروفة في ثقافة البحر الشعبية في الإمارات.. يقول:
«ذاك النهام ينادي يا بحر قلبي من صخر فتته الموج، وصرت أنت العجيب الرهيب المهيب. عصي الدمع والاستجابة، يا بحر هذا صوتي يشق قميص المدى، ويتسرب بلا هدى، لعله يطيح بشيء من الجبروت.. هذا صوت شراع يعتلي صدر السفينة بلون الفضاء الوسيع..».
المدهش في هذه الكتابة أنها (تشعرن) الماء والرمل والأمكنة بأشيائها ذات الدلالات الثقافية الشعبية، ولكن إلى جانب هذا الإدهاش فإن لدى الكاتب طاقة حية على (أنسنة) الأمكنة، وذلك، بالاستعانة بالطاقة الإبداعية الحرة في المكان نفسه، وإلى جانب ذلك، تجدر الإشارة إلى الفضاء التشكيلي في هذا النص المفتوح على قوة المكان وروحه وإيقاعاته.

You may also like...