علي عبيد الهاملي : علاقة عشق تربطني بالكتاب

 

حوار: محمد ولد محمد سالم
شغف الكاتب الإماراتي علي عبيد الهاملي مدير مركز الأخبار في مجموعة دبي للإعلام بالكتاب، قديم يعود لبواكير الطفولة وأوليات التعلم حيث فتح عينيه على الكتاب في بيت أهله، وراقب والده وهو يقرأ القصص التراثية باستمتاع، فكان ذلك عامل انجذاب أولي له إلى الكتاب، ثم تطور ذلك الانجذاب مع المدرسة ودكان الكتب الذي كان يمر عليه في طريق عودته، ثم المكتبة العامة التي صادف وأن اكتشفها بجوار الثانوية التي كان يدرس فيها، وجاءت الكتابة لتكون حافزاً قوياً آخر، فأصبح يكتب القصة، ويحتاج إلى القراءة لترسيخ مواهبه الإبداعية، ثم مع التخصص والسفر للخارج توسعت الاهتمامات المرتبطة بالكتاب، وأضاف إلى كتابة القصة كتابة المقال الصحفي، فأصبحت الحاجة للكتاب أقوى، وصار تنوعه ضرورياً، واقتناؤه وقراءته عادة وضرورة، ما سمح للهاملي باقتناء مكتبة كبيرة غنية بأنواع الكتب في الرواية والقصة والتاريخ والأدب والفكر والفلسفة والإسلاميات والسياسة وغيرها. فيما يلي حوار مع عبيد الهاملي حول مكتبته:

* كيف نشأت علاقتك بالكتاب؟

العلاقة بيني وبين الكتاب علاقة شغف وعشق، وعلاقة ارتباط منذ الطفولة الأولى، فقد كان والدي من الذين يجيدون القراءة والكتابة، وفي ذلك الزمن كان قليلون هم أولئك الذين يجيدون القراءة والكتابة، وكان والدي شاعراً وكذلك جدي، وقد ترك ديواناً مخطوطاً أجرى عليه سلطان العميمي دراسة، وقد فتحت عيني على مجموعة من الكتب في بيتنا، خصوصاً كتب التراث الشعبي مثل «المستطرف من كل فن مستظرف» لشهاب الدين الأشبيهي، ونسخة من السيرة الهلالية، وسير شعبية أخرى، ومن تلك الأيام بدأ ولعي بالقراءة، وساعدني على هذا الولع، أننا نشأنا في زمن لم تكن فيه الإنترنت ولا الألعاب الإلكترونية، وكانت وسائل الترفيه محدودة، فحتى التلفزيون كانت برامج الأطفال فيه محدودة، فلم تكن هناك قنوات للأطفال كما الآن.
كانت القراءة هي التسلية الوحيدة لنا، وكانت تفتح لنا عوالم كثيرة للمعرفة، فتربينا على الكتاب، طبعاً لا يعني هذا أن كل من تربى في تلك الظروف نشأ لديه شغف بالقراءة والكتابة، فهذا الشغف هو حالة خاصة لدى البعض، والعامل الأساسي فيه الوسط الأسري، ثم الاستعداد الفطري الذي تنشأ عنه الرغبة الشخصية في المعرفة، وتأتي بعد ذلك الظروف الأخرى، وقد استمر معي ذلك الشغف طول مراحل الدراسة، والعمل، خصوصاً، أنني بدأت الكتابة في سن مبكرة، فقد كتبت القصة القصيرة وعمري لم يتجاوز أربع عشرة سنة، ونشرت في مجلة أخبار دبي مجموعة من القصص القصيرة، كما كان لي اهتمام بالشعر، وكنت أحرر في تلك المجلة باباً خاصاً.

أول كتاب

* هل تذكر أول كتاب قرأته، وكيف كان تقبلك له؟

أول كتاب قرأته ولا يزال راسخاً في ذاكرتي هو كتاب سيرة بني هلال، وهو كتاب ملحمي لأنه يحتوي على القصة والشعر والسيرة والحكاية الشعبية، ويدخلك في عوالم لا حصر لها، وقد أثر فيّ بتلك العوالم الساحرة التي ولّدت عندي الشغف للمعرفة، وأسكنتني بالدهشة الدائمة إزاء ما أقرأه، وما زلت أعتبر هذا الكتاب بوابتي إلى عالم القراءة، وفتح أمامي آفاقاً كثيرة للقراءة والشغف، وتواصلت قراءاتي، وكان أكثرها في الرواية، لا سيما وأن تلك الفترة كانت مليئة بكتب إحسان عبد القدوس ويوسف السباعي ومصطفى لطفي المنفلوطي وبيار روفائيل ونجيب محفوظ، وأقبلت عليها، وقرأت تقريباً كل ما كان متوفراً، وأيضاً كنت مهتماً بأدب الرحلات وأدب السير، كتاب العبقريات للعقاد، وقرأت الكثير من الكتب منها كتاب أنيس منصور «حول العالم في 200 يوم» وكتاب «الذين هبطوا من السماء» وأيضاً «الذين عادوا إلى السماء».

* هل كان للمدرسين تأثير في توجيهك إلى القراءة وحب الكتب؟

تأثير المدرسين في توجهات الطلاب القرائية والإبداعية وحتى العلمية هو تأثير حاسم، وبالنسبة لي فقد كان للمدرسين أثر في توجيهي نحو القراءة والكتابة، ومن ذلك أنه كان مقرراً علينا في المنهج الدراسي بعض الكتب والقصص التي يدرسنا إياها المدرسون، ومن الكتب التي قرأناها قصة «وا إسلاماه» لأحمد با كثير، وقصة «هاتف من الأندلس» لعلي الجارم، فهذه القصص نمت لدينا القدرة على القراءة والإنشاء، وكان المدرسون حين يجدون أن الطالب متميز في الإنشاء مثلاً يشجعونه، ويدفعونه إلى القراءة أكثر، وأذكر أنه في سنة من السنوات المتوسطة كان يدرسنا اللغة العربية مدرس سعودي، وأجرى لنا اختباراً في الإنشاء كان موضوعه عن غلاء المهور في الإمارات، فكتبته بأسلوب قصصي، لأنني كنت متأثراً بالقصص، وسميته «ضحية الطمع»، فأعجب به المدرس وأعطاني كتاباً هدية على أسلوبي التعبيري الذي استخدمته، فأثر في ذلك، وشجعني كثيراً، وقد أخذت الموضوع إلى مجلة «أخبار دبي» التي كانت تصدر في السبعينات، عن دائرة الشؤون الإعلامية، وهي أول مطبوعة تصدر منتظمة في الإمارات، فقد انطلقت سنة 1965، وقد بدأت الكتابة فيها في بداية السبعينات.

الأدب والتاريخ

نشرت قصتي تلك في «أخبار دبي» عام 1971، وهذه القصة الآن موجودة في كتاب بعنوان «كلنا نحب البحر» أصدره اتحاد كتاب وأدباء الإمارات وأرخ به لبدايات القصة في الإمارات، وتعني تلك الحادثة وما نجم عنها من ارتباطي بالكتابة أن تشجيع المدرسين كان له دور حاسم في تكوين جيلنا، وقد كانوا يوجهوننا إلى الكتب المفيدة في الأدب والتاريخ والقصص والشعر، وأغلب الكتب التي كانت موجودة في الحقيقة كانت كتباً مفيدة، كما أنني أيضاً في مرحلة الطفولة قرأت أغلب الكتب المترجمة التي كانت موجودة في تلك الفترة مثل كتب تشارلز ديكنز وأرنست همنغواي ودوستويفسكي.

* ما هو الكتاب الذي أثر في توجهاتك الأدبية والفكرية؟

لا يوجد كتاب بعينه، لكنني كنت أميل أكثر إلى الكتب الأدبية، ومن الكتب التي كان لها تأثير فيّ روايات مصطفى لطفي المنفلوطي، مثل «تحت ظلال الزيزفون»، «غادة الكاميليا» فقد كان لأسلوبه الشاعري الجميل، ولغته الأصيلة أثر بالغ مكن أسلوبي وثروتي من اللغة، كذلك كتب العبقريات لعباس محمود العقاد، خاصة أسلوبه في التحليل النفسي لشخصيات العبقريات «عبقرية أبوبكر» و«عبقرية عمر»، ولا أنسى كتاب «الأيام» لطه حسين، وهو سيرة ذاتية لكنه كتبه بأسلوب أدبي رائع، يكاد يكون نادراً جداً.

*أذكر قصة طريفة مع أول كتاب اشتريته من مكافأة أعطاني إياها أبي بعد تفوقي في الدراسة، فقد كنا نسكن في (فريج الضغاية) قريباً من منطقة السوق في ديرة، وكانت غير بعيد منا مكتبة ومطبعة السيد هاشم رحمه الله، واسمها «المطبعة العمانية»، وهو من أوائل من مارسوا تجارة الطباعة في دبي، وكنت أمر بالمكتبة فأرى الكتب المعروضة، ومنها كتاب «سيرة عنترة بن شداد»، وكنت أتمنى أن أحصل عليه فأقرأه، وجاءتني الفرصة عندما أحرزت المرتبة الأولى على القسم في نهاية السنة الدراسية، فأعطاني أبي عشر ليرات، وكانت مبلغاً كبيراً، لكنها بمعيار طفل في ذلك الزمن ثروة، فكان يمكن أن أشتري بها دراجة أو لعبة، لكنّ أول ما فكرت فيه عندما استلمتها هو «سيرة عنترة»، فجريت إلى المطبعة العمانية لأشتريه منها.

لما دخلت سألني السيد هاشم، ماذا تريد ؟ فأجبته أني أريد أن أشتري كتاب «سيرة عنترة بن شداد»، وكنت صغيراً ضئيل الحجم، فتعجب ثم سألني ابن من أنا، فقلت له ابن فلان، وكان يعرف أبي، فقال لي سأبيع لك الكتاب بالمبلغ الذي عندك، وأسامحك في البقية، وأضاف: يمكنني أن أعطيه لك بلا مقابل تشجيعاً لك على حب الكتب، وحرصك على قراءتها، ولكنّي أريد أن آخذ منك العشر ريالات لكي تتعلم أن الكتب لها قيمتها المادية التي يجب أن تبذل فيها، وكان هذا درساً كبيراً لي، فالكتاب شيء ثمين ينبغي أن نبذل فيه النفيس والغاليَ.

أعظم اكتشاف

* ما هي الطرق الأخرى التي كنت تحصل بها على الكتاب؟

هناك طريقة كانت اكتشافاً مهماً بالنسبة لي، ووسيلة فعالة في الحصول على الكتاب، فقد كنت في الثانوية أدرس في المعهد الديني، وقد تهدم مبناه نتيجة للأمطار، فنقلونا إلى المدرسة الأحمدية، وكان ذلك منتصف الستينات تقريباً، وكانت المدرسة قريبة من المكتبة العامة في دبي، وقد بدأنا نستكشف المكان من حولنا، فعثرنا على المكتبة، فصرنا نذهب إليها في الفسحة الدراسية، وكانوا حينها يعملون بنظام الإعارة، فاكتشفنا أنه يمكننا أن نستعير الكتب التي نريدها، لنقرأها في المنزل ثم نعيدها، ونستعير أخرى، فكانت المكتبة أعظم اكتشاف في تلك الفترة، وقد وفرت لنا ما كنا نحتاج إليه من كتب، وكانت المكتبة متنوعة، وقد أحدث ذلك تحولاً كبيراً في حياتي، ولم يكن نشاطها مقتصراً على توفير فرصة المطالعة، بل كانت أيضاً تقيم أنشطة ثقافية منها محاضرات وندوات ثقافية، فكنت أحضرها وأستفيد منها، وبعد هذه الفترة بدأت فترة اقتناء الكتب، وتكوين المكتبة الخاصة، فقد سافرت إلى القاهرة لأدرس في الجامعة، وتخصصت في الإعلام، وكنت أحضر المعارض وأزور دور الكتب، وتوفرت لي فرصة لم تكن متوفرة في الإمارات، فقد كانت في مصر أهم دور النشر وأهم الكتّاب، وكان النشاط باهراً، وقد سهل لنا ذلك الحصول على الكتب، وكنت حين أعود في الإجازة قد مأت حقائبي بالكتب.

* ما هي علاقة الكتابة بالقراءة؟

كل كاتب هو قارئ، وليس كل قارئ كاتباً، وأنا أستغرب أن يفتخر بعض الذين يكتبون بأنهم لا يقرأون، وهذا منطق غريب، وهو عيب في الشخص، فكيف ينتج من لا يقرأ، فلا يولد الأفكار إلا الأفكار، ولا يمكن أن يأتي الإبداع والتجديد من فراغ، فالقراءة هي المحفز الأول للكتابة، وحتى لو افترضنا أن شخصاً كتب من دون القراءة، فكتابته ستكون فقيرة وبلا معنى، أنا واثق أنني لو لم أقرأ لما استطعت أن أكتب جملة واحدة، وسيرة الكاتب الكبير عباس محمود العقاد تدل على أهمية القراءة، وما يمكن أن تزود به الكاتب من أدوات العبقرية، فالعقاد لم يجلس على أية مقاعد دراسية طوال حياته، لكنه انكب منذ الصغر على الكتب ينهل منها، وكانت نتيجة ذلك أن برز ناقداً ومفكراً وكاتباً أدبياً بأسلوب أدبي رفيع، يندر مثله.

محفزات القراءة

ما الذي تنصح به الأجيال الحاضرة، وأنت كاتب خبر الكتاب وعرف قيمة القراءة؟

أتمنى أن يكون الكتاب جزءاً من شخصية وحاجات الطفل، لا أطالب بأن يترك الطفل الألعاب والاهتمامات الأخرى، لكنْ أطالب بأن يكون للكتاب حيز في اهتماماته، وأعتقد أن الإمارات من أوائل الدول التي تنبهت لأهمية القراءة، فمجموعة المبادرات والمشاريع التي وضعت لتشجيع النشء على القراءة لا توجد في أي دولة أخرى، مشروع تحدي القراءة، وعام القراءة، وشهر القراءة، كل هذه المبادرات تستهدف صناعة عادات القراءة، وهي نتيجة وعي القيادة بأهمية القراءة، واليوم الإمارات فيها رفاهية وأمن واستقرار والحمد لله، والذي يحفظ هذه المكتسبات الثمينة هو الوعي، الذي لا يمكن أن يتشكل إلا عن طريق القراءة والانفتاح على كل الثقافات، وأنا أتمنى أن يكون هناك عمل لتشجيع الطلبة على القراءة، وأن تجعل القراءة مادة نجاح ورسوب في المدارس حتى يشعر الطالب بأهميتها ويجعلها جزءاً من حياته، ويصبح الكتاب جزءاً من منظومة حياته، كما يجب أن يأخذ الآباء زمام مبادرة تشجيع أبنائهم على القراءة بكل الطرق، وأن يبحثوا عن محفزات حتى تكون القراءة جزءاً أساسياً من حياة المجتمع.

 

You may also like...