عندما تدفن النخيل

بعد مغيب الشمس وانقضاء صلاة المغرب.. كنا نجتمع نحن الصغار حول عريش حليمة، وكلما جاء المساء، كنا مع موعد حكاية من حكاياتها التي لا تنضب، كان بهلول يشاركنا جلساتها، كان الجميع يقولون عنه إنه مجنون، ما عدا حليمة فإنها كانت تعتبره ابنها الذي لم تنجبه، وأنجبته، كان بهلول في الصباح مجنوناً وفي الليل أعقل الجميع. كثيراً ما شاركنا الكبار في سماع أحاجيها، وكثيراً ما نمنا نحن في حضنها، وكثيراً ما صرت لنا الملبس في طرف شيلتها، أما شاتها فلا أظن أن أحداً من قريتنا لم يذق من لبنها، ولا أظن أن أحداً منا قد تخلف عن حضور أمسيتها، أما إذا مرض أحدنا فإنها تنتقل مع صغارها إلى بيته، أما هي فلم نسمع منها قط، أنها تعبة يوماً.. كانت رمزاً للعطاء المتدفق في ذلك الزمن المقفر، كانت كأشجار النخيل في بلادي.
هذه قريتنا.. وهذه أمنا حليمة، التي قصت علينا سيرة عنترة، وأبي زيد، والزير سالم، وحكايات أبي نواس، وليالي شهرزاد.. كنا في شوق وولع أن نسمع الحكاية الواحدة بعد الألف من ليالي شهرزاد، ولكن أدرك شهرزاد الصباح، وسكتت عن الكلام المباح، وقالت وهي تودعنا بابتسامتها الندية:
(هيا يا أحبابي، هيا يا أولادي، لقد حان موعد نومكم، فأهلكم لم يزر النوم أعينهم بعد، لقد سرقت شهرزاد منا الوقت في حكاية ليلتها الألف.. وغداً بإذن الله، سأحكي لكم الليلة الأخيرة من ليالي شهرزاد). كانت قلوبنا معها كان مصيرها مصيرنا، كانت حكاياتها تأخذ بتلافيف قلوبنا، لقد شغفنا بها حباً كانت جزءاً منا، كنا لا نريد أن نبرح المكان، إلا وشهرزاد قريرة العين، تحلم بيوم جديد وفجر جديد.. ومدت ساقها المنثنية لينهض خليفة من نومه.. (قم يا ولدي.. يا فاطمة تعالي أمسكي بيد أخيك.. يا مسعود يا مسعود.. هل أنت الآخر نائم، قم بالله عليك أوصلهم إلى ذويهم.. هي يا أبنائي رافقتكم السلامة، المطوع جمعة سيخبرني عن الذي لا يحفظ سورته، سيروا يا أولادي على بركة الله فهو الحافظ وهو الأمين). ورددنا بصوت واحد والنوم يغالب بعضنا.. (في أمان الله).

وأتذكره، خليفة الذي سألها منذ عشرين سنة، (هل ستقصين علينا غداً حكاية الليلة الأخيرة)؟ فردت مبتسمة (إذا كنت ستنام مثل هذه الليلة فلن تسمعها).. فرد خليفة (لا يا جدتي لن أنام، ولم أنم). كنت أتمنى أن أرى بغداد فأخذتني الغفوة وتاه بي الحلم.. ها هل ستقصين علينا غداً تمام الحكاية؟ (بإذن الله سترى بغداد، وستسمع الحكاية).. ورفعت يدها مودعة والابتسامة ما زالت تعني لنا الكثير، وتقدمنا مسعود وأوصل كلاً منا إلى بيته، هذا ما كان يحدث في قريتنا، وما سواه فلم أعرفه، إلا عندما كبرنا وكبرت قريتنا، اجتمعنا في الأمسية الموعودة وكلنا تساؤل: ترى ماذا سيكون مصير شهرزاد؟ وما هو مصير شهريار بعدها؟
جئنا فرحين منطلقين بأقصى سرعة، رغم أنها كانت تنهانا دوماً عن الركض في الليل، كان مرزوق هو الذي يتقدمنا في السباق دائماً، لكنه كان مشاكساً وأول واحد يرقد فينا عند سماع الحكايات، (جدتي، جدتي، أنا ما زلت الشاطر حسن). كان مرزوق يصرخ بصوت عال رفيع، فتطايرت العصافير الحالة على غصون الشجر، فبددت السكون الذي كان يخيم على العريش، بهلول يضحك ألماً على غير عادته، الأشجار تفيض دمعاً سخيناً، العصافير تنوح كأنها تودع عزيزاً غالياً، والشاة يخيم عليها الموت البطيء، وأصوات البوم والخفافيش تزيد المكان وحشة وكآبة، اليوم كل شيء صامت أخرس، هواء النخيل ساكن ساخن، حتى حمام الراعبي صامت سقيم، ومسعود يخبط ورجلاه ثقيلتان، ونعش أبيض مسجى، تحرسه أشجار النخيل، وبدد دهشة الكل، وصمت الجميع صوت الزوج مسعود الجريح، (يا أولادي جدتكم حليمة.. وإكرامها دفنها.. رجائي أن تعطوني أيديكم). وبلمح البصر، وارينا العزيز تحت الثرى، ودفن الغالي في ظرف زمن، وشيعتنا الطيور وتباكت علينا الأشجار، وجن بهلول، وكسا الحزن الجميع، والراعبي ما زال صامتاً سقيماً، وكبرنا، وكبرت القرية، وكان آخر عهدي بالجميع، عندما وارينا العزيز تحت الثرى ودفن الغالي في ظرف زمن.
ديسمبر/كانون الأول 1986.

«من كتاب عندما تدفن النخيل»

 

قد يعجبك ايضا ...