«عوليس» رواية تختزن تراث إيرلندا

القاهرة: «الخليج»

«عوليس» هذا العمل الملحمي المعروف في تاريخ الأدب العالمي، كانت ترجمته إلى العربية لا تقل ملحمية، وقد قدمها عن طيب خاطر المترجم الراحل طه محمود طه، فقد استغرق وقت الترجمة منه 14 عاماً، أضاف إليها ست سنوات، سبقتها للتجهيز لها، بخلاف الأسفار والجهد، لدرجة أنه أنجز نتيجة الترجمة قاموساً كاملاً للمترادفات، فيه أكثر من ربع مليون من المترادفات، وهو ما يقارب عدد الكلمات في «عوليس»، ثم أكمل إنجازه الضخم بكتاب «المدخل إلى عوليس وجيمس جويس»، وهو بمثابة مفتاح الشفرة إلى عالم عوليس وجيمس جويس.
الرواية عالم كامل، ندور بداخله، ويدور بنا، ثم نكتشف في النهاية أن جيمس جويس قد جمع التفاصيل الإنسانية المحملة بالخبرات والتراث والفولكلور والخبايا والدوافع والإبداع والرتابة والشكوك واليقين والضياع والانتماء والمعتقدات والغرائز والغربة والحميمية والوعي واللاوعي، والأنا والآخر، والعقلانية والجنون والإدراك والقصور والكراهية والحب، كل ذلك وأكثر، أسكنه جزئيات أمكنة ذات تنوع مدهش، ومزج كل ذلك بزمن ذي كثافة بالغة، فكان التحول المبهر، إذ نتج عن كل ذلك التراكم المعاصر والواعي، روح أسطورية عميقة ومترامية الأطراف، يصعب جداً على الوعي أن يدرك كل أبعادها.
لقد أبدع العبقري أسطورة كاملة بواقعية شديدة، وجعل «بلوم» يقطع رحلة البشرية القديمة إلى المجهول عبر جدران، وحواري، وشوارع دبلن، واستخرج هموم الأبد من المؤقت والعادي، صافعاً إيانا بإثباته حقيقة أن الأسطورة لم تعد ماضياً بعد، وأنها لا تزال تسكن نفوسنا وحاضرنا، وأثناء ذلك أبدع أدباً في النصف الأول من القرن العشرين، وسيظل منهلاً للجمال والدهشة للقرون المقبلة.

لم يغير جويس أسس الأدب الروائي فحسب، بل إنه غير أسس وأساليب الفنون والآداب كلها، بعد أن فاجأ القرن العشرين على حين غرة برائعته تلك، التي يصفها المترجم الراحل بأنها ليست قصة، أو رواية، أو ملحمة، أو سيرة، هذا عالم بأكمله، تراث أمة، تاريخ شعب، مجموعة سير لرجال ونساء، سجل عقاري لمبانٍ وشركات ومنازل ومكتبات وجامعات، ذخيرة ضخمة من الأغاني الشعبية والألحان، مساحة تزخر بصراعات المدارس الأدبية ومناورات السياسيين، ومحاورات رجال الدين ومتاهات الفلاسفة، تبدأ من الأزمنة السحيقة، ولا تنتهي إلى شيء، أو ربما تقودنا إلى القرن ال21، تدور بنا على مدى 18 ساعة ونتوه في دروبها أحياناً.

قد يعجبك ايضا ...