فن السيرة.. جماليات وإشكاليات

380736_972320

محمد وردي
لا ريب أن فن السيرة الذاتية، هو من الفنون القديمة، التي كانت شائعة في الثقافة الغربية والعربية على السواء، وربما في الثقافات الأخرى، وكانت حتى نهاية القرون الوسطى، تقوم في الغالب على معايير أخلاقية ودينية، وعظية أو تربوية، غرضها الأول والأخير، تقديم النموذج المثال، وتصويره باعتباره قدوة حسنة. ولكن شهدت أول مراحل تطورها في عصر النهضة، بحيث شكل الدكتور جونسون في القرن الثامن عشر، علامة فارقة في كتابة السيرة، حينما انتقلت من النموذج المثال، إلى الحقيقة الإنسانية المجردة، بمعنى أنها أصبحت تركز على الحقيقة، ولم تعد تتردد في كشف الأخطاء والعيوب على فداحتها. وحذا حذوه جميع كتاب السيرة في زمنه، وأهمهم رفيق عمره بوزول، إلا أن الأخير فاق أستاذه والآخرين، في دقته المتناهية، وواقعيته الفوتوغرافية، ونقله للصغائر والتوافه من أمور الحياة اليومية. وأضاف إلى الصدق عنصر الحيوية، والانسياب في القص، وكان مندمجاً فيما يكتبه، يبعث فيه الحركة والحيوية والتنوع، وإثارة حب الاستطلاع والتشويق.
غير أن هذا المذهب عاد للنكوص خلال العصر الفيكتوري، حيث ارتد إلى الأخلاقيات والمُثُل؛ حتى أنقذه ليتون ستراتشي، الذي قام بجهد مزدوج، حيث عاد بالسيرة إلى مقياس جونسون بالصراحة والصدق، والعناية بإبراز حياة الفرد على طبيعتها، لا صورة المثال، وأضاف إليها نظرته الساخرة، فخلق فيها نوعاً جديداً من الأدب، يمكن أن يسمى «السيرة الساخرة». وبدلاً من طريقة بوزول في الدقة المتناهية بعرض التفاصيل، لجأ إلى الاختيار، والتركيب بدل التحليل، فجعل النمو عالقاً بالحركة الداخلية للشخصية الرئيسية، وأعطى للشخصيات الأخرى حظاً من الوجود، يعين على تدرج النمو في الشخصية المترجمة. وهو بذلك يقدم نموذجاً على إحكام الخطة والغاية، وما يستتبع ذلك من التأثير الفني، إذ فيها تتجلى القدرة على التأليف بين متعارضين، هما التفسير الخيالي، والحقيقة التاريخية، حسبما تقول فيرجينيا وولف: «لقد استغل كل قدرة المترجم في الاختيار والترتيب، وتشبث بكل قوته، بعالم الحقائق»، وهذا من أهم العناصر في السيرة؛ لأنه يمثل الحد القوي بين انجذابها مرة إلى التاريخ ومرة إلى القصة المتخيلة. والوثوق من هذه النقطة يخفف من الزلل أو الالتواء أو الانطلاق وراء الخيال، كما يخفف من جفاف الحقيقة، ويسمح بالتخلي عن حقائق غير ضرورية.

ولم تنتقل السيرة إلى الطابع القصصي، بالاستناد إلى التاريخ، إلا مع كتابات إميل لودفيج، وأندريه موروا، واستيفان اتسفايج. ما يعني أن فن السيرة الذاتية الغربية، هو وليد عصر النهضة والمدنية الحديثة، وأنه تطور بالتوازي مع تطور الفن الروائي والقصصي، مستفيداً من نظريات علم النفس وعلم الاجتماع والإناسة والبيولوجيا، ومختلف المنهجيات النقدية.
أما عربياً، فلم يكن الأمر كذلك، حيث استمر فن السيرة في المقاربات الأخلاقية والمثالية، كما كان عليه الأمر أوروبياً قبل عصر النهضة. ونماذج ذلك سيرة ابن سينا وابن الهيثم والغزالي وابن جبير وآخرين. ما يعني أن فن السيرة العربي لم يستفد من العلوم الحديثة أسوة بالرواية والقصة، فيقول الدكتور إحسان عباس: «لقد ظلَّ أكثر السير في العالم الإسلامي مجموعة من الأخبار المأثورة أو المشاهدات، ليس فيها وحدة البناء ولا الإحساس بالتطور الزمني، ولا تتبع مراحل النمو والتغيير في الشخصية المترجمة، وبالاختصار ظلت السير دون شكل تام، ودون محتوى وافٍ كامل، حتى العصر الحديث، حيث واجهت بعض التغير في القاعدة والطريقة، وكان ذلك بتأثير من الثقافة الغربية». ملاحظاً أنه يمكن التمييز بين ثلاث مدارس في السيرة العربية الحديثة، الأولى «ذات طابع أكاديمي، تقوم دراستها على التشريح والتحليل والتدقيق». والثانية لا تؤمن بالنقد والتحليل، ولذلك كانت عنايتها بالتراجم لا تتجاوز إعادة ما كتب من قبل، «في بيان إنشائي مفكك، وحماسة مغلقة». والثالثة تنتحل السيرة الأدبية، وهي التي يوليها الدكتور عباس عنايته بالنصف الثاني من الكتاب. ويرى أن الرابط بين أصحاب هذا الاتجاه، هو عنايتهم بالفرد وإنسانيته. ومن أهم المحاولات ذات الطابع الأدبي في السيرة الحديثة «حياة الرافعي» للعريان، وعبقريات العقاد، و«جبران» لميخائيل نعيمة، و«منصور الأندلس» لعلي أدهم.
ويعتقد الدكتور عباس أن ميخائيل نعيمة من السيرة العربية هو بمكانة ستراتشي في السيرة الغربية، حيث عرض صديقه جبران خليل جبران في «ضعفه وقلقه، وكشف عن البون الشاسع بين حياته العملية ونظرته المثالية. ولم يخجل أن ينظر بعين الناقد الساخر إلى كثير من متناقضات جبران». كما يرى أن «الأيام» لطه حسين له «مكانة لا تتطاول إليها أي سيرة ذاتية في الأدب العربي الحديث، وخاصة في الجزء الأول؛ لمزايا كثيرة، منها: تلك الطريقة البارعة في القص، والأسلوب الجميل، والعاطفة الكامنة في ثناياها المعلنة (…)؛ وتلك اللمسات الفنية في رسم بعض الصور الكاملة للأشخاص، والقدرة على السخرية اللاذعة في ثوب جاد؛ حتى تظهر وكأنها غير مقصودة». وتمثل «الأيام» صورة واعية للصراع بين الإنسان وبيئته، فهو يصف مراحله ويتدرج فيها، معتمداً – أي الكاتب – على أن حياته خير مثل للانتصار على البيئة، والوصول في النهاية إلى ما يصبو إليه. ومع ذلك يرى أن «الأيام» هو أقرب إلى القصص، شأنه شأن «عودة الروح» لتوفيق الحكيم، و«إبراهيم الكاتب» للمازني، و«سارة» للعقاد، إذ جميع هذه الكتب تنطوي على «عناصر ذاتية وترجمة شخصية، غير أنها موضوعة في إطار قصصي، ممزوج بقسط غير قليل من الخيال». ويعتقد أن «الأيام» أكمل ترجمة ذاتية أدبية في أدبنا الحديث، مثلما كان كتاب «جبران» لنعيمة أكمل سيرة أدبية.

You may also like...