فوز ترامب.. حفلة شاي على ركام ثقافي

%d9%81%d9%88%d8%b2-%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%85%d8%a8-%d8%ad%d9%81%d9%84%d8%a9-%d8%b4%d8%a7%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b1%d9%83%d8%a7%d9%85-%d8%ab%d9%82%d8%a7%d9%81%d9%8a

محمدو لحبيب
كأس شاي منعنعة أو غير منعنعة، ربما تكفي لفهم السؤال الذي يشغل بال الكثيرين الآن، وهو: كيف نجح دونالد ترامب في أن يصبح الرئيس ال45 للولايات المتحدة الأمريكية؟، هكذا ببساطة.
ليست الإشارة للشاي هنا مجرد استهلال يراد به إغراء القارئ للولوج في عمق هذا الموضوع السياسي، بل هي إحالة ثقافية إلى مكونات ذلك الفعل الذي أدى إلى تجاوز ترامب كل الأرقام التي أفرزتها استطلاعات الرأي ضده، وتحقيق ما يمكن أن يوصف بالمفاجأة الصادمة.

ثمة فرضية تعززها شواهد منهجية عديدة وأرقام انتخابية بأن نجاح ترامب، أو تشكل ما بات يعرف عند الأكاديميين المحللين بظاهرة «الترامبية» ( Trumpism )، يرتبط إلى حد كبير بتطور الحركة الثقافية- السياسية المعروفة باسم «حركة حفلة الشاي» (Tea Party movement).
ومصطلح «حفلة الشاي» يشير في الأغلب إلى تلك الحفلات التي كانت تقام في بريطانيا في وقت الأصيل من النهار، ويجتمع فيها بضعة أشخاص للثرثرة، وتبادل الأحاديث حول آخر المستجدات، وتناول الشاي مع البسكويت كتقليد اجتماعي لا غير.
أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد اختلف المصطلح في دلالته الثقافية ومحموله السياسي، فهو يرتبط هناك بحركات اجتماعية وسياسية ترفض تدخل الحكومة في كل شيء، وتطلب منها الكف عن التصرف كأخ أكبر يفرض وصايته على الجميع.
وقد ظهرت حركة «حفلة الشاي» في سنة 2009 كرد فعل على سياسات الرئيس أوباما في مجال الرعاية الصحية، ثم تطورت لتغدو تجلياً من تجليات الطبقة الوسطى الأمريكية، وأيضاً لتكون حاضنة لرد فعل المواطنين من ذوي الأصول البيضاء الأمريكية الذين يشعرون أنهم باتوا مهددين في وطن يعتبرونه ملكهم، بفعل الأمريكيين الوافدين من أصول أخرى.
إنها إذاً حركة تجمع في تركيبتها بين النوازع الاقتصادية، والداروينية الاجتماعية، لتشكل كياناً يصعب تصنيفه، حتى رغم بنيتها الثقافية الواضحة.
ما الذي يدفع بحركة حفلة الشاي إلى واجهة التحليل الذي يتناول ظاهرة صعود ونجاح ترامب الآن؟ إنه ببساطة ذلك الاشتراك في بروزهما، الحركة والرئيس، انطلاقاً من التمرد على الأرثوذكسية الجمهورية، وعلى الالتزام داخل بوتقة البنية الأيديولوجية للحزب الجمهوري المحافظ، ثم تحقيق حركة حفلة الشاي نتائج بارزة في انتخابات مجلس النواب على حساب مرشحي الحزب الجمهوري بشكل غير متوقع، ومخالف لما كان يفترض، تماماً كما فعل دونالد ترامب، ثم هناك تلك الحاضنة الثقافية التي يصدران عنها معاً، وهي الاستدعاء التاريخي لحركة الشاي التي كانت بداية ثورة للأمريكيين على المستعمر البريطاني، وحركة «أمريكا أولاً» التي كانت تدعو في القرن الماضي إلى أن تظل أمريكا داخل حدودها وتترك أوروبا لتواجه أزماتها بنفسها.
إلى ذلك فإن ثمة التقاء فكرياً بين المؤسسين لحركة حفلة الشاي والترامبيين (إن صحت التسمية)، ويعود هذا الالتقاء في أن ترامب هو امتداد طبيعي بحسب بعض الباحثين ل «لليبيرتيرية» العتيقة، التي كانت قوية في أوساط الحزب الجمهوري وخصوصاً عند رون بول المرشح الجمهوري السابق للرئاسة، الذي سيصبح ذات يوم في 2009 عراب حركة حفلة الشاي عند إطلاقها.
من الواضح إذاً أن المنطلقات الفكرية للحركة ولتيار الترامبية متطابقة إلى حد كبير، ويتجلى ذلك بحسب قول الكاتب ماتيو شافيلد إن القوميين البيض كافة، وأصحاب الفكر التآمري الذين استمعوا لأطروحات رون بول صاروا فيما بعد من ال»ترامبيين المتحمسين».
المسألة الأخطر هنا في بروز حركة حفلة الشاي، وتطورها لتنتج اليوم تياراً بات يعرف ب»الترامبية» هو أنها أصلاً ليست مؤسسة على تجانس واضح، بل هي عبارة عن تجمع كبير لتحالفات قد لا تلتقي في الحاضنة الثقافية، من منتقدين للوضع الاقتصادي، ومن المتخوفين على تفوق وتميز عرقهم الأبيض، ومن الساكنين في بوتقة فوبيا الآخر المختلف، الذي قد يأتي في أية لحظة ليسلبهم ثمرات انتمائهم لأمريكا العظيمة كما يتصورون.
هذا الكوكتيل على قدر ما جعل الحركة تحصل على نسبة كبيرة من الأصوات الانتخابية، بحيث باتت الأسرع تطوراً و نمواً من بين كل الحركات الاجتماعية، بقدر ما سيحيل إلى تزايد مشكلات الشعبوية داخلها.
إن أغلبية من ينتمون إلى هذه الحركة لا يعتبرون المعرفة ذات قيمة، وأغلب جمهورها العريض ممن لا يملكون شهادات أكاديمية، حتى إن سارة بالين المرشحة السابقة لمنصب نائب الرئيس لم تستطع في لقاء تلفزيوني أن تحدد بدقة ما إذا كانت إفريقيا دولة أم قارة.
و إذا كانت أمريكا بفعل العولمة وبفعل قوة امتلاكها لتكنولوجيا الإعلام والثقافة الجماهيرية، كانت دائماً سباقة إلى نقل كل قيمها ومنجزاتها «حتى ولو كانت سيئة» إلى كل العالم، وإذا كنا سنعتبر ما قاله الفيلسوف الفرنسي جان بودريار عن أمريكا بأنها «صورة للمآل الذي سيؤول إليه الآخرون، وهو مآل غير مُبهجٍ، وغير إنساني صنعته المركزية الأوروبية»، فإننا أمام سؤال يتجاوز منطق اللحظة المنتصرة ليسأل عن الديمومة والثبات، داخل كينونة ثقافية وفكرية واضحة، تستطيع المحافظة على النجاح وتكراره، ويسأل أكثر من ذلك عن إمكانية تمدد «الترامبية» إلى أوروبا مع كل ما يرافقها من شعبوية؟.
في هذه السنة حققت الشعبوية انتصاراً من انتصاراتها المدوية ذات الزخم الإعلامي الذي يتجاوز توقعات مراكز استطلاعات الرأي، حين نجحت في فرض الاستفتاء بنعم على انفصال بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لكن ما حدث بعد ذلك وبشكل سريع هو الآخر يكاد يشبه الندم إن كان في السياسة ما يسمى الندم.
لقد تراجع كل الذين سوقوا وحرضوا مكونات القومية الثقافية لدى الجمهور، وباتوا يعلنون تملصهم الواحد تلو الآخر من تحمل تبعات النتائج الاقتصادية و السياسية لذلك الانفصال.
فهل تندم الشعبوية التي صنعت حركة الشاي ثم غذت وفعلت انتصارات ترامبية، كما ندمت وتراجعت تلك الشعبوية التي صنعت انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي ؟
الأمر هنا يتعلق بالفكر مرة أخرى، بمحددات العقل الجماهيري لأمة ما، ومتى يتحرك العامة في لحظة ما ليغيروا بشكل خاطف واقعاً موجوداً على الأرض.
وإذا كان كرين برينتون في كتابه «تشكيل العقل الحديث»: «يقول إن العامة يصمتون لا يفصحون ولا تمكن قراءة ردود أفعالهم على أرفف المكتبات وبين دفتي الكتب، ذلك أنهم يتحركون فجأة ووفق منطق مدهش وغير متوقع ليصنعوا مشهداً جديداً». فإننا بذلك المعنى يمكننا القول إن الرهان على نمو وتطور ظاهرة الترامبية، واستمرارها لولاية كاملة للرئيس الأمريكي أو حتى لولايتين، أو حتى بعد ذلك، هو رهان قلق.
ومع ذلك فإنه طالما استمر «تسليع» الثقافة وتحولها إلى منتج يحمل من القيمة المادية أكثر مما يحمل من المعنى، وطالما استمر رفع ذلك المنتج على أسنة مواقع التواصل الاجتماعي، وتلفزيون الواقع، وطالما استمرت علاقات الاستغلال بين المنتج والمستهلك بصيغتها الحالية المشكلة من خيوط حرير سامة، وطالما لم نتجاوز إلى نقد ثقافي حقيقي للديمقراطية يؤسس لمنظومة تتعدى لغة الصناديق الانتخابية الحالية. طالما لا يحدث كل ذلك فأعتقد أننا في مشكلة وأننا نعيش فوق ركام ثقافي لعله ذلك الذي عبر عنه كريستوفر كودويل في كتابه «دراسات في ثقافة محتضرة»، وأعتقد أننا جميعاً سنشرب الشاي لنحتفي بحركات لا تتفق مع السلم الموسيقى المناسب لأية حفلة.

You may also like...