قراءة التاريخ على رقاع من العملات والمسكوكات

%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b1%d9%82%d8%a7%d8%b9-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%85%d9%84%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85

يكتبها: يوسف أبولوز

يقرأ التاريخ من الأثر المعماري (.. القلاع، الحصون، الأبراج، البيوت..)، كما تتم قراءة التاريخ من خلال المدافن، والجسور، والسدود، كأن الجغرافية هي بوابة القراءة للتاريخ الذي يقرأ أيضاً من خلال الزي، والطعام، والموسيقى، والفنون.. كل هذه الإنجازات البشرية تعين الباحث على دراسة الأثر التاريخي والاجتماعي.. هذا الأثر الذي يحيل بالطبع على الظروف السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية في بلدان العالم.
من الشواهد الحضارية والثقافية التي تعين على قراءة الأثر التاريخي.. العملات والمسكوكات وقطع النقد، وهي مواد يعثر عليها المنقبون الآثاريون بعد جهود مضنية من البحث والفحص والدراسة النظرية، وإخضاع هذه المسكوكات إلى مختبرات فحص متخصصة.
في ضوء هذه الأهمية للعملات نقرأ باهتمام دراسة عملية ميدانية بعنوان (دراسة العملات الساسانية – في متحف الفجيرة الوطني) وتعود أهمية هذه الدراسة إلى القيمة البحثية الميدانية المتخصصة لكل من: د. حمد محمد بن صراي، والدكتورة فيستا كورتيس، فالدكتور ابن صراي رجل بحث تاريخي وثقافة اجتماعية، وهو يستند إلى خبرة عميقة في مجاله، ويعطيه تخصصه في هذا الميدان قدرة بحثية علمية عرفناها له في مؤلفات آثارية وتاريخية سابقة، وكذلك الدكتورة فيستا كورتيس، ويخبرنا الكتاب، أن الدكتورة كورتيس زارت الإمارات، وأقامت ما يشبه ورشة عمل في متحف الفجيرة الوطني، وهي أيضاً لها قيمتها البحثية (قسم العملات والميداليات – المتحف البريطاني – لندن).

الكتاب حول المسكوكات الساسانية، ولكن جوهر الكتاب تاريخي، ففيه مدخل للتاريخ الساساني مع التركيز على (الملوك الثلاثة الذين تعود إليهم العملات الثماني عشرة في متحف الفجيرة الوطني).. إلى جانب ذلك، وامتداداً للنقطة الأولى التي بدأنا بها في قراءة هذا الكتاب – أي أن العملات مصدر من مصادر قراءة التاريخ، فإن هذه الدراسة تضيء الأهمية العلمية للمسكوكات، فالعملات تحمل الكثير من الرموز الدينية والفنية والجمالية.. وتعد العملات إشارة إلى تطور البلد الاقتصادي وسيادته السياسية ومعاملاته التجارية.
نقرأ في الكتاب.. «حفظت العملات مجموعة من الصور الشخصية للملوك والحكام..» و.. «.. تفيد النقود أيضاً في تأريخ الطبقات والأدوار الآثارية..».
كانت عملات شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، باختصار، وكما يخبرنا الكتاب.. هي الدراهم الساسانية، والدنانير البيزنطية، والعملات النبطية والتدمرية.. «.. ويدل اكتشاف قالب سك العملة في موقع مليحة على أن لهذا الموقع مكانة سياسية واقتصادية متميزة في المنطقة..».
تعود عملات متحف الفجيرة الوطني إلى ثلاثة ملوك ساسانيين: الملك فالكاش أو بالاش، والملك قباذ الأول، والملك كسرى (خسرو) أنو شروان، ولأن مادة الكتاب تاريخية، فإننا سنأخذ القارئ إلى بعض المعلومات عن هؤلاء الملوك بتصرف من مادة الكتاب.. جاء عن الملك فالكاش أو بالاش أنه كان عطوفاً على الفقراء، وكان محباً للعمارة، وأنشأ مدينتين في العراق، وأخرى في مدينة مرو، أما الملك قباذ الأول فقد ظهر في عهده (مزدك بن بامداد) (الذي أنشأ حركة اجتماعية تستند إلى فكر ديني معدل عن المانوية والزرادشتية) أما كسرى (خسرو) أنو شروان فنقرأ حوله في الكتاب الكثير من الأعمال التي قام بها خلال فترة حكمه (531 – 579م).. (.. أمسك البلاد بيد حازمة، وأصلح أحوال الرعية، ورفع عن كاهلهم الضرائب الجائرة، وأمن الطرقات والدروب، وأصلح قنوات الري وأدخل تحسينات على وسائل السقاية..».
ولكن، أين كانت تقع أماكن سك العملات في عهود هؤلاء الملوك؟ خريطة في الكتاب توضح هذه الأماكن، ومنها: ميسان، دار أبجر، هيرات، اصفهان، الري، نهاوند، ابراشهر.. وهي تقع في المملكة الساسانية.
من الناحية الجمالية (أو لنقل المهنية) من اللافت تتبع تلك النقوش والخطوط الموجودة على العملة، فعلى وجه إحدى العملات نقرأ الشروح والتفاصيل التالية المنقوشة على العملة وتوضح وجه أحد الملوك واسمه، والقرط الذي كان يرتديه، ونشاهد على وجه العملة مجموعة من الأكاليل: إكليل مربوط على شكل هلال يحمل مجسماً للعالم، إلى جانب إكليل مربوط، وبعض الخطوط المنقطة.
نشاهد بعض العملات أو المسكوكات وكأنها – من الناحية الجمالية أوالفنية – أقرب إلى أعمال نحتية صغيرة، إذ تظهر بعض الزخرفيات، والأشكال النجمية.
الملك فالكاش أو بالاش (484 إلى 488 ميلادية) يظهر على العملة (.. مرتدياً تاجاً ذا نهاية متموجة، ويعلوه إكليل واحد على شكل هلال يحمل مجسماً للعالم مدعماً له، ويرتفع الإكليل وراء كتف الملك، ويعلو الكتف شعلة من لهب..).
الملك قباذ الأول (488 – 497: 499/498- 531 ميلادية) يظهر مرتدياً (قبعة أو قلنسوة وتاجاً بخدشين صغيرين، وأمامه هلال، ويعلوه إكليل واحد..).
الملك خسرو (كسرى) (531 – 579 ميلادية) نشاهد على ظهر المسكوكة مذبحاً للنار، (.. ويوجد كذلك عمود منبسط ليس له نهاية مربوط متموج، وتتوسطه ثلاثة أسطر، وتقابله يد تتكئ على صولجان طويل..».
إن قراءة هذا الكتاب المزود بصور العملات والمسكوكات هي قراءة لمادة جمالية تاريخية على درجة كبيرة من الفن والإبداع، ولكن مشاهدة هذه المسكوكات مباشرة في متحف الفجيرة الوطني تزيد من متعة القراءة، وتجعل القارئ في مواجهة بصرية مباشرة أمام مصدر مهم من مصادر التاريخ.
هذا الكتاب الممتع يقرأ على أكثر من مستوى: فهو تاريخي، وفني، ووثائقي، ومعلوماتي خصوصاً ما يتصل بتلك الهوامش التوضيحية الغزيرة بالتواريخ والمعلومات المرجعية والتي كلفت الباحثين.. د. ابن صراي، والدكتورة فيستا كورتيس الكثير من الوقت والجهد..
ولم يضع كل ذلك سدى، فهذه الدراسة هي إضافة في منتهى الأهمية للمكتبة التاريخية والآثارية في الإمارات، الأمر الذي يهم كل باحث إماراتي أو عربي أو أجنبي له صلة بدراسة التاريخ من بوابة العملات، خصوصاً أن الكتاب في جزء منه موجه إلى القارئ باللغة الإنجليزية.* الكتاب: دراسة العملات الساسانية (في متحف الفجيرة الوطني).
* المؤلفان: د. حمد محمد بن صراي، والدكتورة فيستا كورتيس.
* الناشر: اتحاد كتاب وأدباء الإمارات (2016).

 

You may also like...