كارل شبتلر.. الروائي ملهم فرويد

%d9%83%d8%a7%d8%b1%d9%84-%d8%b4%d8%a8%d8%aa%d9%84%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%88%d8%a7%d8%a6%d9%8a-%d9%85%d9%84%d9%87%d9%85-%d9%81%d8%b1%d9%88%d9%8a%d8%af

القاهرة: «الخليج»

ظل الإنسان عند «كارل شبتلر»، 24 إبريل/نيسان 1845 29 ديسمبر/كانون الأول 1924، الفائز بجائزة نوبل في الأدب عام 1919 فرداً مستقبلاً بذاته، سيد أمره، لكن يجب عليه لكي يبقى على قيد الحياة، ويحقق شخصية مكتملة، أن ينتمي إلى المجتمع ويتقيد به، وهو يعتقد أن المتحابين يعدان شخصين، وشخصاً واحداً في آن، وعلى العاشق أن يتعبد للمحبوب في غيريته وحريته، وطبيعة الحرية مزدوجة كذلك، لأن وسيلتها الوحيدة لتأكيد ذاتها التضحية بالذات لصالح الآخر في علاقة الحب.

كان كارل شبتلر في ال16 من عمره قد قرر أن يكون أديباً، وكان خليقاً به أن يختار مهنة تنسجم مع تفكير والده، وهو سياسي من ذوي النفوذ، بنزعة ديموقراطية راديكالية في مقاطعة بازل بسويسرا، ولم يكن الأديب الناشئ آنذاك يقبل بأن يحاكي النماذج الأدبية التي كانت سائدة في ستينات القرن التاسع عشر، كان شبتلر قد اختتم دراسة اللاهوت التي شرع فيها، ناظراً إليها على أنها «اللاهوت المضاد»، وأنفق ثماني سنوات في خدمات التعليم المنزلي الخاص في روسيا، ليتفادى الصعوبات التي كان من الممكن التنبؤ بها، التي كانت تواجه إمكانية حصوله على وظيفة قس، ومن يدري ماذا يمكن أن يحدث لو لم يدفعه موت والده غير المنتظر إلى العودة إلى الوطن ولو لم يكن الفشل الوشيك لتوجهه الأدبي يلوح لناظريه كالمعروض عرضاً، غير أنه أجبر نفسه وهو في الخامسة والثلاثين من عمره على تدوين إحدى صياغاته لمشروعات برومثيوس، ونشرها تحت عنوان «برومثيوس وايبيمثيوس».
وعندما كان الكاتب يؤمل في الواقع أن يحقق بعمله الشعري الملحمي المتسم بالعناد وصعوبة المراس، نجاحاً كاسحاً عن أفضل أهل عصره، سرعان ما علمه الغياب الكامل تقريباً لأي صدى، شيئاً آخر، وكانت هذه الملحمة تقف وحيدة كل الوحدة على أرض الأدب الألماني الميال إلى النثر القصصي الواقعي الحديث الذي كان يزداد اكتساباً لسمة الحسم على نحو مطرد.

وبينما كان شبتلر يكسب عيشه من الصحافة والتدريس ظل أسيراً لمثله الشعري الأعلى، وكتب مسرحية تاريخية بأسلوب موافق لعصره، إلى جانب مسرحيات هزلية عدة، وجرب نفسه في آخر الأمر في مضمار القصة التي ظل يتحاشاها على مدى عشرين عاماً، وحاول في هذه الحقبة من تاريخ إبداعه أن يطعم كل ميدان من ميادين الأدب بحجر من عمله.

وكانت هذه القصص العابرة والتعليمية هي التي عادت على شبتلر بأول اعتراف عمومي بمكانته، وأتاحت له وظيفة محرر الأدب والفن في إحدى الصحف، لكن عندما حققت له تركة والد زوجته الهولندية التحرر من الهم المادي في عام 1892 عاد به طموحه إلى أهدافه الأدبية الأصلية، وكان يقول إنه إنما أراد، بالنظر إلى عمره المتقدم، مجرد أن يكشف، في هذا المضمار، عما كان خليقاً أن يتقنه فيبرع فيه إذا ما أتيح له العمل فيه، وعلى الرغم من ذلك فقد آل الكثير مما كان ينظر إليه في أيامه، بحكم كونه كاتباً ملحمياً ناشئاً إلى عمله الرئيسي وهو «الربيع الأوليمبي»، وتحول إلى شاعر ملحمي عالمي يتميز بنطاق فريد في شعره وطاقة كشف وتنوير لغوية كبرى، ولهذا الشعر الملحمي يدين شبتلر بمكانته، من حيث كونه الأول بين الكتاب السويسريين، وبجائزة نوبل في الأدب عام 1919.

يشير محمد جديد في ترجمته لروائع القصص لكارل شبتلر إلى أنه في صيف 1876 التقى شبتلر، وكان لا يزال يجرب صياغة عمله الأدبي الأول، بابنة عمه التي تصغره كثيراً وهي «ايلين بروديك» التي كان يعرفها منذ طفولتها الأولى، وعندما كبرت لم يبح لنفسه قبلة وداع على رصيف المحطة، حين عاد إلى بطرسبورغ، وقال دون مواربة إن الزواج ليس وارداً في مخطط حياته.
وحين عاد إلى الوطن مرة أخرى عام 1879 وجدها زوجة وأماً لطفل، وهنالك تفجرت المشاعر التي تشكل محور روايته «إيماغو» وإن كان قد تزوج في النهاية من تلميذته في مدرسة البنات، وكانت أصغر منه ب18 عاماً، واللافت للنظر أن روايته «إيماغو» دون سائر أعماله قد نبهت مدرسة سيجموند فرويد إلى ما يسمى علم نفس الأعماق أو اللاوعي، ووجد علم النفس التحليلي الطامح بعضا من ألوان معرفته الجوهرية، من جديد، وتجلى هذا على وجه الخصوص في تصميم فرويد وبعض تلاميذه على إصدار مجلتهم التي تم تأسيسها عام 1912 باسم «إيماغو» وهي مجلة تطبيق علم النفس التحليلي على العلوم الإنسانية.

 

You may also like...