كتب عن آلاف المدن والقرى

المقدسي..جغرافي عاشق لأبجديات المكان

إعداد: محمد إسماعيل زاهر

«أعلم أني أسست هذا الكتاب على قواعد محكمة، وأسندته لدعائم قوية، وتحريت جهدي الصواب.. واستعنت بسؤال ذوي العقول من الناس، من لم أعرفهم بالغفلة والالتباس، عن الكور والأعمال في الأطراف التي بعدت عنها، ولم يقدر لي الوصول إليها. فما وقع عليه اتفاقهم أثبته، وما اختلفوا فيه نبذته. وما لم يكن لي بد من الوصول إليه، والوقوف عليه قصدته. وما لم يقر قلبي ولم يقبله عقلي أسندته إلى الذي ذكره أو قلت زعموا»، هكذا يسترسل المقدسي في توضيح المنهجية التي يتبعها في كتابه اللافت «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم»، وأنت تقرأ مقدمته تشعر أنك أمام دراسة معاصرة، فالرجل في بحثه المتعلق بجغرافية العالم الإسلامي، يتناول في بداية الكتاب المراجع التي اعتمد عليها، يختار الموثوق ويترك الضعيف، بل ولا يتورع عن الرحيل إلى مدينة نائية ليصف موقعها ومناخها، وتضاريسها المختلفة، ثم يعرّج إلى نقد أعمال الجغرافيين المسلمين السابقين، مثل: ابن الفقيه الهمذاني، وابن خرداذبة والبلخي والجاحظ.. إلخ. كما أنه يضع في المقدمة أيضاً شروحاً لمفردات التقسيمات الجغرافية، أو الإدارية: المصر، القصبة، الرستاق، الكور، أو الكورة والناحية.
يتميز المقدسي بمنهجية نظرية ربما تنتمي إلى أيامنا هذه، واللافت في سيرة هذا الرجل أنه طعّم أدواته تلك بالتجربة العملية عبر الرحلات، يتحدث عن نفسه وما عاناه؛ لكي يكتب هذا المؤلف الموسوعي بالقول: «اعلم أن جماعة من أهل العلم ومن الوزراء قد صنفوا في هذا الباب، غير أن أكثرها؛ بل كلها سماع لهم. ونحن لم يبق لنا إقليم إلا وقد دخلناه..فانتظم كتابنا هذا ثلاثة أقسام: أحدها ما عاينّاه، والثاني ما سمعناه من الثقات، والثالث ما وجدناه في الكتب المصنفة في هذا الباب، وما بقيت خزانة ملك إلا وقد لزمتها، ولا تصانيف فرقة إلا وقد تصفحتها، ولا مذاهب قوم إلا وقد عرفتها.. ولقد سُميت بستة وثلاثين اسماً دعيت وخوطبت بها مثل: مقدسي وفلسطيني ومصري، ومغربي وخراساني، ومقرئ وفقيه، وصوفي وولي، وعابد وزاهد، ووراق وتاجر، وإمام ومؤذن وخطيب، وغريب وعراقي وبغدادي، وشامي وحنيفي، ومتفقه ومتعلم، وراكب ورسول، وذلك لاختلاف البلاد التي حللت بها وكثرة المواضيع التي دخلتها».

خيال بلا حدود

المقدسي في الفقرة السابقة يفتح الخيال على أفق لا محدود؛ حيث نجد أنفسنا أمام شخصية ثرية، لا يقتصر عطاؤها على العلم وحسب؛ ولكن تصلح سيرتها للتأريخ أو حتى للأعمال الروائية والسينمائية. هذا الرجل الذي يمتزج في كتابه العلم بالرحلة بالأدب، عاش مع الزهاد والصوفية، وتعرض للغرق في بلد ما، وهاجمه قطاع الطرق في بلد آخر، والتحق بمجالس وصالونات العلم، وحج بيت الله، وشارك في الجهاد، ومارس التجارة، وعانى ضنك العيش: «وكسيت خلع الملوك، وعريت وافتقرت مراراً، وكاتبني السادات، ووبخني الأشراف، ورميت بالبدع واتهمت بالطمع..وخالطت حيناً السلطان، وملكت العبيد.. وسحت في البراري، وتهت في الصحراء، ودخلت حمامات طبرية، والقلاع الفارسية». هذا الزخم انعكس في ملاحظاته لعادات وتقاليد سكان البلاد التي مر بها، ووقوفه أحياناً عند الغرائب التي شاهدها أو رصدها، لأحوال المناخ والعمران.. إلخ.
يستوقفنا أيضاً في كتاب المقدسي المتوفى في عام 380 ه الانتباه إلى وجود عدة مدن يطلق عليها الاسم نفسه؛ ما يوقع الباحث الجغرافي والمؤرخ وربما حتى الآن في الحيرة والارتباك، وربما الخطأ المنهجي، وهو يرصد هذه المدن والأماكن، يقول: «اعلم أن في الإسلام بلداناً وكوراً وقرى تتفق أسماؤها، وتتباين مواضعها، ويشكل على الناس أمرها، والمنسوبون إليها»، ثم يسترسل في ذكر العديد من هذه المدن: «السوس كورة بأقصى المغرب، ومدينة بأوله، وكورة بخوزستان.. بيروت مدينة بدمشق، يقصد بلاد الشام، ومدينة بخوزستان. عسقلان مدينة على ساحل فلسطين ومنبر ببلخ. رمادة مدينة بالمغرب، وقرية ببلخ، وأخرى بنيسابور، وأخرى بالرملة». وتفاجأ بعشرات الأماكن التي يذكرها على هذا النحو، وهو لا يكتفي بالمدن والقرى؛ بل يمتد ذلك الفضاء عنده إلى القلاع والحصون.

نتوقف مرة ثانية مع هذا الجغرافي الذي عاش في القرن الرابع الهجري وهو يحدثنا عن مسألة كروية الأرض وجاذبيتها: «فأما الأرض فإنها كالكرة.. والأرض جاذبة لما في أيديهم يقصد البشر من الثقل؛ لأن الأرض بمنزلة الحجر الذي يجذب الحديد.. فاستدارة الأرض حول خط الاستواء ثلاثمئة وستين درجة»، وهناك أيضاً معرفته بالعالم الذي لا يسمح المناخ في أقصى جنوبه بالحياة «والنصف الذي تحتنا لا ساكن فيه». ومن المعروف أن هذه المعلومات كانت من المحرمات في ذلك الوقت بأوروبا، والتي دار حولها كثير من المعارك، ولكن المقدسي يذكرها بصورة عابرة، مما يؤكد أنها كانت من المسلمات لدى الجغرافيين العرب.
المعلومات عن حياة المقدسي، شهاب الدين أبو أحمد المعروف بالبشاري المقدسي، قليلة، ولكن المشهور أنه ولد في بلاد الشام وإليها ينسب، وهو يؤكد ذلك في مقدمة كتابه، حيث يتحدث أحياناً بلهجات مختلفة، ليثبت للقارئ أنه سافر إلى البلاد التي يصفها، ثم يميل إلى اللهجة الشامية التي نشأ عليها.
يختص كتاب المقدسي بجغرافية بلاد الإسلام: المدن والقرى، الجبال والوديان، البحار والأنهار، العواصم والهوامش، الأسواق والحمامات العامة، القصور والقلاع والحصون والآبار، الحضر والريف. سرد المقدسي يدفعك لتصور البشر وهم يسيرون في تلك الأماكن، يتجولون في الشوارع والحارات، يتوقفون لشرب الماء من الآبار والأسبلة، يتحركون في الأسواق حاملين البضائع، ثم يدخلون بيوتهم التي يصف طرزها المعمارية، ومكونات بنائها والمواد المستخدمة في تزيينها، يعانون تقلب المناخ الذي يهتم المقدسي بوصفه في الشتاء والصيف في مختلف البلدان.

ريشة فنان

يرسم المقدسي ملامح المكان بريشة فنان عاشق لمفردات المكان ومنمنماته، يقول عن مكة مثلاً:« هي مصر هذا الإقليم يقصد قلب جزيرة العرب، التي يفتتح بها وصفه لديار الإسلام قد خطت حول الكعبة في شعب واد.. بناؤها حجارة سود ملس وبيض أيضاً..حارة في الصيف، إلا أن ليلها طيب، قد رفع الله عنهم مؤونة الدفء، وأراحهم من كلف الاصطلاء»، الطائف عند المقدسي: «مدينة صغيرة، شامية الهواء، باردة الماء، أكثر فواكه مكة منها، موضع الرمان الكثير، والزبيب والعنب الجيد، والفواكه الحسنة. ربما يتجلد بها الماء، عامتها مدابغ، إذا تأذى أهل مكة بالحر خرجوا إليها»، وبعد مكة والطائف هناك المدينة وجدة وبدر وقرية عرفة، وصحار وصعدة ونزوة.. إلخ، يتوقف عند اليمن قائلاً: «واعلم أن اليمن موضع واسع، قد أقمت به حولاً كاملاً، ودخلت هذه البلدان التي وصفت وغاب عني منه الكثير». ويسترسل المقدسي بعد ذلك في وصف مناخ الإقليم ومذهبه ولهجاته، وعلاقتها بالفصحى، وأشهر قراء القرآن الكريم، وطرق التجارة والأسواق والبضائع، والمكاييل والنقود والمعادن، والمهن والضرائب والمكوس، وحتى الطعام والزي، ويمتد الحديث إلى تأثير كل هذا في أخلاق السكان وطباعهم وأمزجتهم.
بعد ذلك يأتي إقليم العراق، يقول المقدسي: «هذا إقليم الظرفاء، ومنبع العلماء، لطيف الماء، عجيب الهواء، ومختار الخلفاء»، ثم يتجول في الكوفة والبصرة وبغداد والموصل.. إلخ، يصف الدروب والحدائق، ومجالس العلماء، يناقش العلماء، ويعلق عليهم، يقف بك على شط دجلة والفرات، يحدثك عن جودة الفواكه والمزروعات وطعم الماء. في الشام يتتبع سبب تسمية الإقليم بهذا الاسم، ويرسم خريطة للقرى والمدن المتلاصقة، والتي يبدو أنها بلا نهاية أحياناً، حيث تلهث وراء الأسماء، يقول عن بيت المقدس بعشق وشغف: «بنيانهم حجر لا ترى أحسن منه، ولا أتقن من بنائها، ولا أعف من أهلها، ولا أطيب من العيش بها، ولا أنظف من أسواقها، ولا أكبر من مسجدها، ولا أكثر من مشاهدها.. وفيها كل حاذق وطبيب، وإليها كل قلب لبيب، ولا تخلو كل يوم من غريب». أما مصر، فيقول عن الفسطاط: «عجيب المتاجر والخصائص، حسن الأسواق والمعايش إلى حماماته المنتهى..ليس في الإسلام أكبر مجالس من مسجده يعني مسجد عمرو بن العاص ولا أحسن تجملاً من أهله، ولا أكثر مراكب من ساحله. أجل من البصرة وأكبر من دمشق، به أطعمة لطيفة.. كثير الموز والرطب، غزير البقول والحطب، خفيف الماء، صحيح الهواء، معدن العلماء.. نغمتهم بالقرآن حسنة»، ويقف وراءه تاريخ طويل من موجات طويلة من الرخاء، وسنوات تعيسة من القحط، يختزنه وهو يتحدث عن مصر، يقول: «هذا إقليم إذا أقبل فلا تسأل عن خصبه ورخصه، وإذا أجدب فنعوذ بالله من قحطه».
يتابع المقدسي رسمه لخريطة العالم الإسلامي فينتقل بك إلى إقليم المغرب: هذا إقليم بهي.. به كثير المدن والقرى.. به ثغور جليلة، وحصون كثيرة، ورياض للنزهة، وبه جزائر عدة، مثل الأندلس الفاضلة العجيبة، وتاهرت الطيبة النزيهة، وطنجة البلدة البعيدة.. إلا أنه بعيد الأطراف، كثير المفاوز، صعب المسالك، كثير المهالك. يخصص المقدسي الجزء الثاني من كتابه لأقاليم العجم وهي البلاد الممتدة إلى الشرق من العراق وحتى حدود الصين، نهاية العالم الإسلامي آنذاك، ولا يتحدث أهلها العربية، وامتلأت بمدن شكلت علامات في الثقافة الإسلامية، مثل: بخارى، وفرغانة وترمذ، وسمرقند، وخوارزم، وخراسان وأصفهان، وخوزستان..إلخ، يقول: ومن العجائب بنيسابور جبل ترابه أسود.. يكتبون به الرسائل ويختمون الكتب، وجبال بهيطل ونيسابور، يقطعون منها الملح كما يقطع الحجر»، ويتورط في الغرائبية بالقول: «وبه شجر لها ثمر إذا شق خرج منه حيوان له أجنحة الطير».
كتاب «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» بمثابة مدونة لأبجديات المكان من خلال أسماء آلاف المدن والقرى والكور والنواحي التي تلهث وراءها، كتبه المقدسي في القرن الرابع الهجري، بروح العالم وموسوعيته، ودقة الجغرافي وعشق الرحالة، وأحياناً بشغف المغامر، وغموض شخصيته وتضخم ذاته. في الكتاب منهج وأدوات ونقد لأعمال السابقين وتعليق عليهم، وتصاب في الكتاب أحياناً بالملل عندما يتورط المقدسي في ذكر المسافات بين المدن والقرى، ومساحات الأماكن المختلفة. وفي الكتاب مسحة حب لبعض المدن التي يبدع المقدسي في تصوير جمالياتها المختلفة. وفي الكتاب أيضاً أحاديث كثيرة بضمير المتكلم، وإن هدف منها مؤلفنا التأكيد أنه زار هذه المدينة أو تلك القرية، إلا أن أنك تشعر بصعود أنا المقدسي بقوة إلى واجهة السرد. ولكن الكتاب يسعى إلى رصد المكان بتضاريسه وتاريخه، بمناخه وناسه، بعاداته وتقاليده، ليتحول إلى موسوعة ممتعة تسبق عصرها في الرؤية والمعلومة.

 

You may also like...