كتب غيرت الوعي

ملحمة جلجامش.. الأوديسة البابلية في خرائب نينوى

%d9%83%d8%aa%d8%a8-%d8%ba%d9%8a%d8%b1%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%b9%d9%8a

القاهرة:«الخليج»

ملحمة جلجامش هي أكبر وأجمل شعر بابلي اكتشف بمنطقة دجلة والفرات، وهي إحدى الملاحم البطولية للعالم القديم، ولا يوجد نظير لها بأي لغة قديمة بالشرق الأوسط، سواء بالمصرية القديمة أو العربية أو غيرها، ويمكن أن يطلق عليها الأوديسة البابلية، وقد أثارت اهتماماً كبيراً في العالم الغربي منذ أن اكتشفت، بل لقد تقدم أحد الدارسين الأمريكيين برسالة دكتوراه في قسم الأدب المقارن بجامعة هارفارد، قارن فيها بين ملحمة جلجامش والأوديسة.
اكتشفت معظم مواد الملحمة التي تتكون من اثنتي عشرة لوحة تشتمل كل منها على ما يقرب من 300 سطر، باستثناء اللوحة الثانية عشرة التي لا تشتمل على نحو نصف هذا العدد، في ركام بمنطقة دجلة والفرات، واكتشفها الآثاريّون نحو منتصف القرن الماضي، ضمن خرائب مكتبة معبد الإله نابو ومكتبة قصر الملك الآشوري أشور بانيبال (668 – 627 ق. م) وكلتاهما كانت في نينوى آخر عاصمة للإمبراطورية الآشورية، ومنذ ذلك الوقت اكتشفت عدة لوحات أخرى تتصل بملحمة جلجامش.
وتعد ترجمة د. عبد الغفار مكاوي لملحمة جلجامش عن الألمانية، خصوصاً بعد أن راجعها د. عوني عبد الرؤوف على الأكادية، ترجمة يتذوقها القارئ العصري المتطلع لاستيعاب كنوز التراث الإنساني، والاغتراف من منابع تراثه الحضاري والأدبي، وفي تقديمه للملحمة يقدم لنا مكاوي قصة تدوين الملحمة ونسخها، وشذرات ألواحها المسمارية المشتتة في متاحف العالم، وملحمة اكتشافها، وترجمتها إلى اللغات القديمة والحديثة، وأصولها السومرية التي يحتمل أن يكون الكاتب أو الكتاب البابليون قد اعتمدوا عليها، بجانب التراث الشفهي القديم، في نسج ملحمتهم الخالدة، ثم مكانة جلجامش من الأدب العالمي، وأهميتها للوعي والوجدان العربي الحاضر، الذي لم تصل إليه ولم يتواصل معها بالقدر الكافي.
ترجمت ملحمة جلجامش أكثر من مرة إلى العربية وحدها، وهي – كما يقول د. مكاوي – تستحق أن تترجم أكثر من مرة في أي لغة من اللغات الحية، لا لأنها درة أدبية لا يسطع بريق جوهرها الأصيل إلا بلمسات عدد كبير من الصائغين، مثلها في ذلك مثل ملاحم هوميروس وأوديب وهاملت وفاوست، وغيرها من الروائع الشرقية والغربية، ولكن لسبب آخر هو أن الحفريات الأثرية لا تفتأ تظهر من طوايا الأرض والنسيان كسرات جديدة من ألواح الملحمة أو من ترجماتها القديمة، ما يساعد على إكمال الفجوات الناقصة وإصلاح السياق المضطرب، ويكفي أن نعرف أن لها في الإنجليزية مثلاً أكثر من عشر ترجمات.

 

You may also like...