كل الأوقات للقراءة

الكتاب يحتاج إلى جمهور مستقل

محمد إسماعيل زاهر

لماذا نقرأ؟ أو كيف نقرأ؟ أو ماذا نقرأ؟ أو ما الهدف من وراء القراءة؟.. هذه الأسئلة وغيرها الكثير نجدها مبعثرة هنا أو هناك، طرحت بقوة منذ سنوات عدة مع تقارير التنمية الثقافية والمعرفية التي أظهرت تراجعاً عربياً واضحاً في معدلات القراءة، مقارنة بالكثير من الأمم الأخرى، وطرحها الكثيرون، أو أجابوا عنها في حوارات ومقالات واستطلاعات لم تتوقف على مدار العام بمناسبة عام القراءة في الإمارات.
القراءة، وبالرغم من الاهتمام بها، وبصفة خاصة هنا في الإمارات، ما زالت تحتاج إلى المزيد من الجهد والعمل الدؤوب، نحلم بأن يكون الكتاب في كل يد، وبأي شكل، وفي كل مكان، ويجب ألا نسأل عن نوعية المقروء، أو أن نفرض وصايتنا على من نكتب لهم نصائحنا بالقراءة، فتلك مسألة موجهة إلى النخبة في معاركها الفكرية والنقدية، التي توقفت بدورها منذ فترة.

لا يمكن أن أجد شخصاً يتلمس خطواته الأولى في القراءة، يستمتع بنوعية معينة من الكتب، وأقول له هذا الكتاب سخيف، أو تلك القصة سطحية، وهي نغمة سادت لدى بعض الكتاب، وما زالت تتردد في ما يتعلق بأحاديث تدور أحياناً حول رواج كتب الطبخ، والتنمية الذاتية، والكتب الأكثر مبيعاً، وفي العمق تؤشر، ولنكن صرحاء، إلى عجز واضح للثقافة، التي نعتقد أنها جادة في الوصول إلى البسطاء، هل تكمن المشكلة في التعليم، في المناخ العام؟ في مرحلة ثقافية لم تعد تنتج أفكارها الكبرى، تفسيرات عدة، ولكن يبدو أننا أمام مرحلة لابد أن نؤمن فيها بأن أولويتنا تكمن في فعل القراءة، فالمهم أن يقرأ من لم يفتح كتاباً في حياته، وأن تتسع دائرة القراء، ومن هذه الدائرة تتسع قاعدة النخبة التي بإمكانها أن تقود أوطاننا إلى الأمام.
لا وصاية على قارئ يبدأ اكتشافه لذلك العالم الساحر والفاتن والخلاب، المسمى بالكتاب. المهم أن يتكاتف الجميع، خاصة أولئك الذين يقدمون قوائمهم للقراء، في التفكير الدائم ومن خلال وسائل مبتكرة حول كيفية إقناع الإنسان البسيط بأن القراءة ستفيده في حياته، وأقصد بكلمة تفيده المعنى الحرفي، أي يكون لها مردود مباشر في الواقع العملي، بعيداً عن تلك الشاعرية المفرطة التي يتحدث بها كل الكتاب حول رحلتهم مع القراءة، فهذه الأحاديث التي تتناول الخيال، وتشكيل الوعي، واكتساب مهارات اللغة، وأليات الكتابة، هي بصراحة موجهة من كاتب إلى آخر، ويبدو أننا في الوسط الثقافي نعرف ذلك، ولذلك نتحدث بهذه الطريقة.

لقد أصبح وضع ثقافتنا يثير الضحك والبكاء في الوقت نفسه، فمن يقرأون هم من يكتبون، والقارئ الصغير الآن يعد نفسه ليكون أحد الكتاب في المستقبل، أي أن الكتاب بلا جمهور مستقل، ولنتخيل مثلاً، مع الفارق، أن كل مشجعي كرة القدم يمارسونها، أو أن يتحول كل رواد السينما إلى ممثلين أو مخرجين.. إلخ، ولكن هذا الوضع قائم في حالة الكتاب فقط.

لنقارن مثلاً بين مجلة الرسالة في الثلاثينات والأربعينات التي كانت توزع خمسين ألف نسخة في العالم العربي، مع الأخذ في الاعتبار بنخبوية المجلة، وانتشار الأمية الأبجدية وقتها، بسلسلة عالم المعرفة الشهيرة الآن التي تكتب على غلاف كل كتاب، طبع من هذا الكتاب أربعين ألف نسخة، مع ملاحظة انتشار التعليم، وسهولة توزيع الكتاب، وتضاعف أعداد العرب ربما ثلاث مرات، أو أكثر. في الحالة الأولى كانت هناك شرائح واسعة من الجمهور تقرأ ولا تكتب، أما إذا لاحظنا مرة أخرى الواقع الراهن فسنجد زيادة غير مسبوقة في دور النشر، بمؤلفيها، ومترجميها، ومدققيها، وانتشار واسع لوسائل الإعلام، بقنواتها، وصحفها الثقافية، وسنكتشف أن القراءة، ومن أرقام توزيع الكتب الآن من دون جمهور حقيقي، أو مستقل، فالكتاب يوزع داخل شرائح العاملين بالكتابة وملحقاتها وحسب، ولمحب التنظير أن يدرس ظاهرة الغياب الواضح لاستيعاب الكتب بأفكارها الجدلية داخل هذه الشرائح، فأين هي إضافتها المعرفية التي تتحفنا بها كل يوم، هنا لن تكون النتيجة في مصلحة الكتّاب/القراء، وربما حدثك أحد محبي النميمة عن كتّاب لا يقرأون أبداً، أو يكتفون بفصل من الكتاب، أو بتصفحه.

ولكن لنعُد للمقارنة بين لحظتين، لحظة مجلة الرسالة، ولحظة سلسلة عالم المعرفة، في الأولى استطعنا في وسط ظروف غير مواتية أن نؤسس قاعدة واسعة من القراء، وربما جميعنا قابل في حياته منذ عقود أحد البسطاء الذين لا يعرفون «فك الخط» ووجده على معرفة بكبار منورينا، يتحدث عنهم باحترام، ونقابل الآن كل يوم من يحملون شهادات جامعية وربما ما بعد جامعية لا يعرفون كُتّاب اليوم، برغم صور هؤلاء الكتاب المنشورة يومياً في الصحف، وحضورهم الدائم في مختلف وسائل الإعلام، هذا إذا لم تفاجأ بكراهيتهم للكِتاب وللثقافة بوجه عام، أو بسخريتهم اللاذعة تجاه ما تتحدث عنه، هنا أنت بين أمي يحترم الكِتاب والمبدع والقراءة، وحامل شهادة عليا لا تهمه المسألة برمّتها، أو يشعر بخوف وغموض تجاه ما يسمى بالثقافة وكل ما يمت لها.

كيف نؤسس لقاعدة واسعة من القراء؟ هذا هو السؤال الملح والمهم في عشرية القراءة، كيف يمكن للكتاب أن يذهب إلى جمهور لا نتوقعه؟ وكيف يمكن أن يمتد الأفق إلى فضاءات أخرى تلامس القراءة؟ فالهدف من القراءة بكل مشكلاتها، وأسئلتها، يتمثل في نشر المعرفة، فضاءات مثل المسرح واللوحة وحتى الفيلم الوثائقي، وهي فضاءات متكاملة، فسلسلة أفلام الناشيونال غرافيك الوثائقية، مثلاً، عن الحرب العالمية الأولى، وما تتضمنه من شهادات للجنود عن فظائع الحرب، ربما تقودك إلى قراءة كتاب صموئيل هاينز الخلاب «حكاية الجند..الحرب والذاكرة والمذكرات في القرن العشرين»، وإلى الانفعال بلوحة «غرينيكا» لبيكاسو..إلخ، ومشاهدة فيلم روائي مثل «لصة الكتب» ربما ترغبك في القراءة، وهنا يمكن لمتابع الحالة العربية في إشكالياتها المزمنة أن يلاحظ غياب تلك الفضاءات، فعندما تدخل أي متجر لبيع الأفلام ستجد الأغلبية الكاسحة من الأفلام الوثائقية غير مترجمة، وربما وجدت العديد من الأفلام الروائية العالية الجودة الفنية والفكرية أيضاً من دون ترجمة، ونحن نذهب للمسرح لكي نضحك، وتغيب عنا ثقافة اللوحة، أما الأمسيات القصصية والشعرية فيحضرها أصدقاء الضيوف، أما من يكتب «نقداً»، أو «شرحاً» لكتاب فهو من فئة الكتاب/القراء، بمعنى أنه لا يوجد جمهور مستقل للقراءة أو للفضاءات التي يمكن أن تؤدي إليها.

يحتاج سؤال كيف نؤسس لقاعدة واسعة من القراء؟ والخروج من إشكالية الكاتب/المشتغل بالثقافة/القارئ، إلى اجتهادات من علماء الاجتماع والتربية بالدرجة الأولى، وإلى إجابات من كل المفكرين والمهمومين بمسألة القراءة، ولنجعل هذا السؤال مداراً للبحث خلال عشرية القراءة، هذا العقد الذي نتمنى أن ينتهى بجيل جديد يدرك بالفعل، ليس أهمية القراءة في الوعي والتقدم الوطني، ونهضة الأمة، ولكن أهميتها أيضاً في ما يفيده في معارف تتعلق بشؤون حياته كافة، حياته العامة والعملية، وحياته الخاصة، والأسرية، وفاعليته في محيطه الاجتماعي.

علينا ونحن نحتفي بتحدي القراءة العربي، وبقانون القراءة الإماراتي، وبمشاريع القراءة المختلفة في محيطنا العربي، ونحن نذهب بالكتب إلى الأطفال في المدارس والمرضى في المستشفيات، ونحن نحتفي بها في المعارض، ونوفرها في المراكز الثقافية، ونحن نضعها في أماكن الانتظار، ونحن نكتب عنها، ونحن نشاهدها في المتاجر، وحتى ونحن ننغمس في قراءة كتاب رائع، أو نضع جانباً أحد الكتب السخيفة، ونحن نتماس مع الكتاب في كل الأوقات، وفي كل الحالات، أن نفكر بجد، وبأساليب مغايرة عن السائد في هذا السؤال الإشكالي: كيف نجعل من القراءة عادة مثل التحديق لساعات في الهاتف المحمول، أو مشاهدة التلفزيون، أو الجلوس بكسل وب«بلاهة» في المقاهي؟ هي القراءة التي لن تتغير أوضاعها، أو ترتفع معدلاتها، إلا إذا كانت هماً يومياً، ومداراً للسؤال والعصف الذهني في كل الأوقات، أو حتى عندما تعثر على جمهورها الحقيقي.

 

قد يعجبك ايضا ...