كوارث الرأسمالية

كوارث الرأسمالية

تأليف: أنتوني لوينشتاين عرض وترجمة: نضال إبراهيم

خلفت السياسات الرأسمالية للدول الكبرى مآسي وكوارث لشعوب كثير من الدول تحت مسمى تحقيق التنمية وتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، والأعمال الإغاثية، إلا أن النتائج دائماً ما كانت سلبية، وبعيدة عن المخطط له، فضلاً عن أنها حاولت أن تطيل هذه الكوارث ليصبح الأمر أشبه ما يكون بتجارة كبرى، تدر الملايين على الشركات والمقاولين.

يكشف مؤلف هذا الكتاب الصحفي الأسترالي أنتوني لوينشتاين عبر أسفاره إلى عدد كبير من الدول مثل أفغانستان وباكستان وهايتي، وبابوا غينيا الجديدة، والولايات المتحدة وبريطانيا واليونان وأستراليا حقيقة الواقع الكارثي الذي صنعته الرأسمالية، ويبين كيف يمكن لشركات مثل «جي 4 إس»، و«سيركو»، و«هاليبرتون» أن تستغل البؤس المنظم في عالم خفي لمراكز الاعتقال المخصخصة، والأمن الخاص العسكري، والتربح من المساعدات، وصناعات التعدين المدمرة.

ويوضح المؤلف الشبكات السرية التي تشكلت لمساعدة الشركات على جني الأرباح من الأزمة الاقتصادية الأخيرة. ويستعرض نقاشاته مع المقاولين الغربيين في أفغانستان، كما يجتمع مع السكان المحليين في مرحلة ما بعد الزلزال في هايتي، وفي اليونان يجد أن هذا البلد الأوروبي يعيش تحت رحمة الانتهازيين والجشعين. وفي بابوا غينيا الجديدة، يرى أن المجتمع المحلي أجبر على التمرد ضد شركات الموارد الطبيعية المفترسة والمنظمات غير الحكومية.

الكتاب صادر عن دار «فيرسو» البريطانية في 376 صفحة من القطع المتوسط، 2016.

يحاول لوينشتاين أن يظهر من خلال تقاريره التاريخ المظلم للشركات المتعددة الجنسيات التي، بمساعدة من وسائل الإعلام والنخب السياسية في الدول المنكوبة، أصبحت أقوى من الحكومات الوطنية. ويؤكد أنه في القرن الحادي والعشرين، أصبح السكان الضعفاء السلع الأكثر قيمة في العالم، تستهدفهم الشركات، وتلحق بهم الويلات تحت شعارات براقة.
ويقول: «كل مكان قمت بكتابة تقارير استقصائية عنه يختلف عن الأماكن الأخرى من الناحية الثقافية والسياسية والاجتماعية. لكن ما يربطهم جميعاً هو أنهم يخضعون إلى إيديولوجيا الشركات التدميرية التي تستهدف صنع المال على نطاق عالمي. والسعي إلى فهم السبب الذي جعل هذا الأمر يحدث في القرن الحادي والعشرين، يفرض تحدياً للمعتقدات العالقة في أذهاننا المتعلقة بالإغاثة والتنمية، والحرب والديمقراطية، وبشكل محدد الطبيعة الحديثة والتي لا تحدها حدود للرأسمالية».

دفع دور الجيوش المخصخصة وجامعي المعلومات الاستخباراتية، سواء الدوليون أو المحليون، الكاتب لزيارة العديد من الأماكن الساخنة التي تتم فيها محاربة الإرهاب. ويعلق على ذلك: «منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، فإن العمق الجغرافي للحرب التي يخوضها الغرب ضد الإرهاب هي باكستان وأفغانستان». موضحاً: «هذا عالم قاتم، بعيد عن الخطاب الناعم المنتشر في لندن، واشنطن، وكانبيرا، حيث قابلت المقاولين مفتولي العضلات، الذين يصنعون مجموعات متخصصة في جمع المعلومات في مسعى إلى الربح الذي لا علاقة له بالديمقراطية أو الحرية. هذه القوى تشرح بشكل جزئي التمرد الناجح ضد الغربيين في هذه الدول وأيضاً العراق».

اليونان وهايتي وبابوا غينيا

ويشير إلى أن اليونان عانت تحت وطأة سياسات اقتصادية قاسية أكثر من أغلبية الدول الغربية. مؤكداً أن صعود الحزب النازي الجديد في اليونان «الفجر الجديد» هو نتيجة منطقية لهذا النموذج الاقتصادي الفاشل. ويخصص الكاتب جزءاً جيداً من عمله للحديث عن مآزق الفقراء واللاجئين على وجه التحديد، معلقاً: «وهذا يقودني إلى اكتشاف تواطؤ الاتحاد الأوروبي في الأزمة، ونجاح حزب»سيريزا» المناهض لسياسة التقشف».

وعن رحلته إلى هايتي يقول: «هايتي أفقر بلد في نصف الكرة الغربي، لا يزال يستعيد عافيته من الزلزال المدمر الذي حدث له في يناير 2010»، ويشير الكاتب إلى أنه لاحظ هناك «التصادم بين شركات من جنسيات متعددة، والمنظمات غير الحكومية، والمسؤولين الحكوميين، وقوات الأمم المتحدة المسلحة، والمجموعات الإغاثية، والمانحين». وقد ذهب إليها في رحلتين، وشاهد ماذا يعني هذا التصادم بين هذه الجهات بالنسبة للسكان المحليين الذي يتضررون بشكل مباشر من نزاعاتها، في الوقت الذي يكون من المفترض أنهم أول المستفيدين منها.

وفي حديثه عن بابوا غينيا التي تعتبر إحدى أكبر الدول المستقبلة للمساعدات الأسترالية، يقول: «بحثت واستقصيت فيما إذا كان انتعاش التعدين قد ساعد أو أعاق البلاد، وخاصة في جزيرة بوغينفيل. ومثل العديد من الدول التي أنعم الله عليها بوفرة الموارد، فإن بابوا غينيا مبتلية بالشركات متعددة الجنسيات والتي عملت هناك لعقود، حيث تستثمر الملايين من الدولارات في استكشاف ما تبطنه الأرض، في حين أن المقيمين يستفيدون القليل من الفوائد الملموسة، ويشاهدون التحسن الضئيل جداً في معايير المعيشة لديهم. في الوقت الذي كانت الكلفة البيئية لديهم هائلة، والفساد مستشرٍ. باختصار ما يسمى لعنة الموارد يظهر بأنه أمر حقيقي وموجود على نحو كبير فيها».

تناقضات الدول الكبرى

يركز لوينشتاين في القسم الثاني من الكتاب على الولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا، ويجد أن هذه الدول الغنية الغربية الثلاث تملي شروطها الاقتصادية على العالم، وتعاقب أكثر الناس ضعفاً في مجتمعاتهم ممن يتجرؤون وتساورهم أنفسهم للقيام بحركة بسيطة خارج المألوف، وكل من يعارض نظامهم الاقتصادي. ويقول عن الولايات المتحدة وبريطانيا: «أصبحت الولايات المتحدة وبريطانيا من الدول القيادية في العالم في مجال السجون المخصخصة وصناعة المعتقلات، التي عبرها الملايين من الناس من دون أن يكون فيها أي تأثير رادع يمنع الإجرام. فضلاً عن أن هذا النظام المتبع حقق أرباحاً طائلة لشركات مخوّلة مثل»سيركو» و»جي 4 إس»، و»كوريكشن كوربريشن أوف أمريكا»، وقمت بجولات استقصائية في كل هذه البلدان لأرى كيف أن مجموعات الدعم، والإيديولوجيا وأخلاقيات الجزاء والعقاب تصادمت لتنتج واحدة من أسوأ التجارب في الأزمنة الحديثة وهي: السجن الجماعي».

وعن أستراليا يشير إلى أنها قامت بخصخصة كل مراكز الاعتقال لديها لأجل طالبي اللجوء، وتديرها الآن شركات متعددة الجنسيات. ويؤكد أن بضعة بلدان أخرى استعانت بشكل كامل بمصادر خارجية من المنشآت والشركات، ومن دون مراقبة حكومية أو متابعة إعلامية، معلقاً: «في بعض المنشآت النائية، قمت باستقصاء حقيقة هذا العالم المخصخص، وتأثيراته في اللاجئين وطواقم العمل، وما كانوا يقولونه حول ما يفترض أنها دولة متحضرة». ويضيف: «هذه هي تناقضات الرأسمالية الصارخة التي باتت غير مقبولة».

استغلال الصراعات

كما زار الكاتب غينيا الاستوائية، وهي دولة إفريقية غنية بالنفط مبتلية بالفساد والعنف، وكذلك جنوب السودان، هذه الدولة الجديدة التي تعاني الصراع على الموارد، والنزاع العرقي، ومصالح الشركات الصينية والغربية.

ويبحث في الشهية الصينية المفتوحة على تجارة أحجار اليشم البورمية، حيث سببت الإدمان على المخدرات والمصاعب للسكان المحليين في ولاية كاشين في بورما، قائلاً: «إن صعود الصين إلى مستوى القوى العظمى وضع تحركاتها في دائرة الضوء، وليس لديها نقص في المشروعات الحكومية والخاصة التي تستغل لصنع ثروة بطرق لا أخلاقية. في حين أن شركات الغذاء والمشروبات متعددة الجنسيات تعمل بقوة في الأسواق الجديدة في الدول النامية، وتزيد بشكل كبير نسبة الإصابة بالسكري، والسمنة وأمراض القلب».

ويتحدث الكاتب عن الوضع في منغوليا قائلاً: «في العام 2000، كنت في منغوليا – الدولة الأسرع في العالم من حيث النمو، نتيجة لاحتياطاتها من الذهب والنحاس – الانتعاش لم يكن قد بدأ بعد، وكل ما رأيته هو أناس مرنون، وصلوا إلى درجة من اليأس من أجل التخلص من السياسات القمعية التي دعمتها موسكو وبكين خلال عقود. واليوم، مجموعات الدعم الأمريكية ترى منغوليا أنها تختبر اندفاعاً في الموارد، لكن حقاً يبدو الأمر أنه فقط موسم مفتوح للرأسماليين الانتهازيين الذين يستطيعون مرة أخرى أن ينهبوا حدوداً جديدة بينما يتركون الاغلبية العظمى من السكان المحليين من دون أي شيء يخدمهم في سبيل الازدهار العام.
ويتحدث عن زيارته إلى العراق وبحثه عن الشركات التي حققت ثروة ضخمة بعد توقيع عقود للاستثمار في موارد البلاد مع الحكومة المدعومة إيرانياً وأمريكياً كما يقول. حتى في سوريا، التي أصبحت منطقة حرب مروعة، يشير المراقبون إلى أن بعض المنظمات الإغاثية والمقاولين يطيلون النزاع من خلال العمل عن قرب مع مجرمي الحرب من كلا الجانبين.

إيديولوجية عسكرية

ويشير الكاتب إلى أن كتابه هو نتاج بيئة ما بعد حادثة تفجير برجي التجارة في 11 سبتمبر 2001 بنيويورك، مؤكداً أن التوسع في أنظمة المراقبة المخصخصة كانت حكراً على عالم الخيال العلمي قبل 11 سبتمبر/أيلول المشؤوم. لكن اليوم، هناك 4 ملايين مواطن أمريكي معهم تصاريح أمنية سرية، 500 ألف منهم من المقاولين ويوضح أن روبيرت غرينر، الذي كان رئيس مركز ال«سي آي إيه» بإسلام أباد في باكستان في فترة هجمات 11 سبتمبر، قال إنه في 2010 اعتقد أن نصف الطاقم الذي يعمل في مركز مكافحة الإرهاب التابعة لل «سي آي إي» كانوا من المقاولين الخاصين. ويشير إلى أن موظف وكالة الأمن القومي الأمريكية السابق إدوارد سنودين فضح مخاطر المراقبة الجماعية التي تديرها شركات خاصة عندما سرب الوثائق في 2013، حيث أثبت أنه كم من السهل على شركات مثل «بوز آلين هاميلتون» أن تعرض وتخزن المعلومات الخاصة بالمواطنين، وأصبحت أشبه ما يكون بصيغة مخصخصة وحديثة من وزارة أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقاً المعروفة ب «شتازي».
ويعلق الكاتب: الادعاء أن «العالم ساحة معركة» يعكس إيديولوجية عسكرية تمشي وفقها الإدارتان الجمهورية والديمقراطية في الولايات المتحدة كما فصلها الصحفي الاستقصائي جيرمي سكيل. وما عزز هذا الرأي هو وثائق ويكيليكس التي كشفت في 2010، حيث أزاحت النقاب عن أعداد كبيرة من حالات القتل التي لم تذكر في وقت سابق، ارتكبتها قوى الاستخبارات والأمن المخصخصة في نقاط الصراع في كل من العراق وأفغانستان. وهؤلاء يعملون في ظلال العديد من البلدان، حيث يقومون بالخطف والاستجواب والقتل من دون مراقبة. كما أن شركات المرتزقة الحديثة التي بررتها الولايات المتحدة بأنها أساسية في مكافحة الإرهاب أصبحت مندمجة تماماً في الحرب الأمريكية التي لا نهاية لها ضد الإرهاب.

ويرى أن الحرب على الإرهاب جلبت ثروات لم يتم الإفصاح عنها للشركات المتلهفة إلى الربح من حالة الخوف، فالشركة الأمريكية «كاسي» التي كانت تقدّم المحققين إلى سجن أبوغريب في العراق، كانت متواطئة في تعذيب العراقيين، كما أن شركة الطيران الأكبر في العالم «بوينغ» كانت متورطة في الرحلات الاستثنائية ل «تسليم السجناء»، حيث كانت تقوم بتسليم المشتبه بهم لوضعهم في مراكز التعذيب والاستجواب. كما وجد أن مجموعة لويدز المصرفية كانت تستثمر في شركة تهرّب الأفراد إلى «المواقع السوداء» التي تجرى فيها الكثير من الأمور بشكل خفي في كافة أرجاء العالم.

الاستثمار في الحروب

يشير الكاتب إلى أن الحرب على الإرهاب، والتي من المحتمل أن تستمر لعقود، ورغم جهود العديد من الدول الحقيقة في استئصال شأفة الإرهاب، إلا أن هناك العديد من الشركات التي تنتظر الربح والاستثمار في هذه الحروب، وتحاول أن تزيد منها، من دون أن تهتم بما يحدث للبشر من تهجير وقتل وتدمير لأوطانهم.
ويرى أن الديمقراطية تتآكل، وبالكاد ما يلقى هذا الأمر الخطير تذمراً من المؤسسات الإعلامية والسياسية، حتى إنه يحدث بيع لأصول قيمة وتعهد للخدمات الحيوية في بعض الدول من دون أن يكون هناك أدنى مقاومة من الرأي العام، على الرغم من أن حياة العامة يتحول إلى عالم مملوء بالمخاطر والكوابيس.
يطالب هذا الكتاب المملوء بالتفاصيل عن الشركات الرأسمالية التي تستثمر في دماء الأبرياء والضعفاء من حول العالم، بالتحرك وإيقاظ الغافلين عن العمل الخطير الذي تقوم به، وكشف ما يقومون به في عالم الخفاء و«النقاط السوداء»، حيث يزيفون الحقائق، ويجملونها في صور منظمات إنسانية، ويرى أنه يجب أن يكون هناك إيمان بأن البدائل متاحة، والعالم الذي ملأته هذه الشركات بالشر، لا بد أن يلقى مقاومة من أصحاب الضمائر الحية، وبالتنسيق مع الحكومات الحريصة على سعادة مواطنيها.

 

قد يعجبك ايضا ...