كيف وصلنا إلى هذه الفوضى؟

355-7
تأليف:جورج مونبيوت/عرض وترجمة: نضال إبراهيم

ما يحدث في عالمنا من فوضى فرّخت الحروب، والهجرات، وسفك الدماء، والأزمات الاقتصادية، تثير الحيرة والتساؤل، وتجعلنا نبحث عن إجابات لأسئلة مثل: من المسؤول عن هذا الواقع الأليم الذي تمرّ به البشرية؟ ومن أوصلنا إلى هذه الفوضى المدمّرة للإنسان والطبيعة؟ من المستفيد من هذه الأزمات كلها؟ هذه الأسئلة وغيرها يحاول الباحث والصحفي البريطاني جورج مونبيوت أن يجيب عنها بشفافية وجرأة بحكم خبرته الصحفية والبحثية، وهو يعدّ أحد أكثر المنتقدين البارزين للسياسات الإمبريالية التي تمارس دوراً بشعاً في حياتنا الإنسانية.
يقيّم مونبيوت العالم الذي نعيش فيه، فيجده في حالة من الدمار، ويرزح تحت وطأة أزمة من اللامساواة، إذ يبين كيف أن الشركات الكبرى سيطرت على الطبيعة ولوثت البيئة، وليس من نهاية لهوسها بالأرباح واستغلال الآخرين، وتعمل بكل جهد على ضرب الديمقراطية ووأد الجدل السياسي، وتأسيس نظام قيمي – مجرّد من الأخلاق في جوهره – يقوم على خدمة أهدافها.

يشخّص مونبيوت في فصول الكتاب التي هي عبارة عن مقالات متوزعة على سنوات مختلفة من عمله الصحفي، المشاكل التي نعانيها بطريقة واضحة ومنطقية، ولا يكتفي بذلك فقط، بل يضع حلولاً لتحدي سياسة الخوف، من خلال تقديم إجابات عن أسئلة مثل: «كيف يمكننا الوقوف في وجه الأقوياء في وقت يبدو أنهم يملكون جميع الأسلحة؟ ما الذي يمكننا القيام به لإعداد أطفالنا لمستقبل مجهول؟» يحاول من خلال أطروحاته أن يدفعنا إلى إحداث تغيير في حياتنا اليومية، وفي السياسة والاقتصاد، وطرق تعاملنا مع بعضنا بعضا والعالم الطبيعي، والسعي للدفاع عن القيم الإنسانية التي تجعلنا بشراً بحق، والوقوف بكل عزم أمام السياسات والقيم التي تعزّز الأنانية وتقتل التعاطف البشري.
ويأتي العمل – الصادر عن دار «فيرسو» للنشر في 342 صفحة، 2016 – في 10 أقسام تضم 51 فصلاً بعد المقدمة، والأقسام هي: 1- هناك شيء ما مثل المجتمع. 2- الشباب الضائع. 3- الحياة البرية. 4- تغذية السُعار. 5- طاقة مصاصي الدماء. 6- الأغنياء والأطلال. 7- الرقص مع من أوصلوك إلى هذه الحالة. 8- بعيد عن العين، بعيد عن القلب. 9- الدفع نحو الهاوية. 10- العثور على مكاننا.

أدوات التبرير

يبدأ الكاتب في مقدمته باستشهاد من كتاب «الرأسمال في القرن الواحد والعشرين» للصحفي الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي، الذي يجد أنه ما من حكومة يمكن لها أن تستمر من دون وجود «أدوات التبرير»، ويوضح مونبيوت أنه من دون صحافة الشركات، وخبراء العلاقات العامة ومجموعات الخبراء والضغط، فإن برامج التقشف غير الضرورية التي فرضتها العديد من الحكومات ستكون مستحيلة التطبيق على الصعيد السياسي. فالمستويات الحالية من عدم المساواة سوف تعتبر عصية على التحمل، ودمار العالم الحي سيكون مناسبة للاحتجاج المستمر. ويقول: «أدوات التبرير هذه أو البنية التحتية للإقناع، والروايات التبريرية التي تنتجها تسمح للأغنياء بالسيطرة على الكثير من ثرواتنا العامة، ليسحقوا حقوق العمال، وليتعاملوا مع الكوكب وكأنه صندوق قمامة. إن الأفكار، وليس الجيوش أو حتى البنوك، هي التي تدير العالم، فهي التي تحدّد إذا ما كان الإبداع الإنساني يعمل لأجل المجتمع أو ضدّه».
وفي إشارة إلى البنية التحتية للإقناع يتحدّث عن الإعلام في خدمة أصحاب المال، حيث يتم اختيار الإعلاميين بناء على خدمة مصالحهم، ويتم إقصاء الأصوات المضادة، قائلاً: «إن الصحف، ومجموعات الخبراء التي يملكونها، يسعون من خلالها إلى إنتاج حجج ذكية ومقنعة في سبيل الدفاع عن النخبة». ويضيف: «مقابل كل صوت مستقل ذي أرضية وطنية، هناك مئة صوت تعمل بالنيابة عن السلطة البلوتوقراطية. بالطبع، هذا الدور ليس ملزماً في عقودهم التي وقعوها. أشك أن العديد من هؤلاء يسأل نفسه قبل كتابة عمود أو ورقة موقف:«كيف يمكن لي أن أخدم مصالح مليارديري.. صاحب المكان الذي أعمل به اليوم؟» لكن لا يستغرق الأمر الكثير من الوقت لاكتشاف أي من النقاشات أو المواقف التي تضمن تقدمك وأي منها تقبل فيها بحل وسط أو تسوية مذلة. في الإعلام، أصحاب رأس المال يعيّنون المحررين الذين يكونون على مقاساتهم الخاصة، والذين يميلون إلى تأجير أقلامهم، ويروجون للصحفيين الذين تتواءم مواقفهم وإياهم قلباً وقالباً. ويؤكد أن ما يقوله ليس لاقتراح أن المثقفين وكتّاب المقالات والمعلقين الإعلاميين والصحفيين، سواء كانوا مستقلين أو لا، يمكن أن يغيروا العالم بأنفسهم. إن التغير المستمر يتطلب التعبئة الجماعية.. لكن من خلال تحدي وتعريف السلطة، ومن خلال اكتشاف حالات فشلها واقتراح البدائل، ومن خلال إظهار العالم كما لو أنه أكثر من «أدوات التبرير» التي يتمنى الناس أن يراها. إننا نستطيع، باعتقادي، أن نلعب دوراً مساعداً في هذه التعبئة، إلى جانب السياسيين، والمحتجين، ومجموعات الضغط، ومجموعات أخرى من وكلاء التغيير، سياسة لا اسم لها.

يتساءل مونبيوت في الفصل الأول: «ماذا نمسي العصر الذي نعيش فيه؟ لم يعد عصرنا عصر المعلومات. فانهيار حركات التربية الشعبية تركت فراغاً ملأته نظريات المؤامرة والتسويق. مثل العصر الحجري، والعصر الحديدي، والعصر الفضائي، يبلّغنا العصر الرقمي بالكثير عن تحفنا الأثرية، لكن القليل عن المجتمع. والعصر الجيولوجي، الذي يمارس فيه البشر تأثيراً كبيراً في المحيط الحيوي، يفشل في تمييز هذا القرن عن الذي سبقه. ما التغير الاجتماعي الواضح الذي يميّز زمننا عن تلك الأزمنة التي سبقتها؟ بالنسبة لي، إنه واضح. هذا عصر الوحدة». يجد مونبيوت في فصول الكتاب أن الإيديولوجية التي تحكم حياتنا اليوم في كل تفاصيلها، ليس من النادر وجود من يتحداها فقط، بل من النادر حتى أن يتم تعريفها. ويقول: «في المحصلة، يبدو أنه ما من أحد يعرف أي اسم يطلق عليها. الليبرالية الجديدة؟ أصولية السوق؟ اقتصاد عدم التدخل؟ مع أنها نظام اعتقاد متناسق وواضح، وهي إيديولوجية تشترك فيها أكثر الحكومات وأحزاب المعارضة الكبرى، وتحدد كل شيء بدءاً من توزيع الثروة إلى التعامل مع الكوكب، إلا أنها من دون معيار أو اسم معترف به على نطاق واسع».

ويضيف في هذا السياق: «في الحقيقة، السوق الحرة هي بناء سياسي، غالباً ما يجب فرضها عبر العنف، مثلما حدث مع مجازر سوهارتو في إندونيسيا، وانقلاب أوغستو بينوشيه في تشيلي، وقمع الاحتجاجات ضد التعديل الهيكلي والتقشف في كل أنحاء العالم». ويرى أن الشركات والأقليات الحاكمة هي التي تهيمن على السوق، ويستخدمون مواقعهم للمطالبة بمعالجة خاصة: العقود، الإعفاءات الضريبية، الاتفاقيات، البيانات وسحق المقاومة والأشكال السياسية الأخرى. ويؤكد أنهم يوسعون من قوتهم ما وراء علاقاتهم التجارية من خلال ملكيتهم للإعلام وتمويلهم وتحكمهم بالأحزاب السياسية.

نسف الديمقراطية

وعن مفهوم التحرّر الذي تم الترويج له من قبل الليبراليين الجدد، يقول إن «التحرّر الذي يدافع عنه الليبراليون الجدد يعني التحرّر من المصالح المتنافسة، والتحرّر من مطالب العدالة الاجتماعية، ومن العوائق البيئية، وكذلك من المساومة الجمعية، ومن فرض الضرائب التي تمول الخدمات العامة. وهي تعني، باختصار، التحرر من الديمقراطية ونسفها». ويعلق بحزم: «من دون أصوات مضادة، وتسمية وتحدي السلطة، ستتلاشى وتموت الحرية السياسية. من دون أصوات مضادة، لا يمكن للعالم أن يصبح أفضل على الإطلاق. من دون أصوات مضادة، ستظل عمليات حفر الآبار مستمرة، كما ستبنى الجسور، ولكنها ستكون فقط للقلة. ولا شك أن الغذاء سينمو ويزداد، لكنه لن يصل إلى أفواه الفقراء. وسيتم تطوير أدوية جديدة، لكنها لن تكون في متناول الكثير من المحتاجين. فكّر كيف أن البيئات السياسية المختلفة تخلق أنظمة الصحة المختلفة بشكل راديكالي- والنتائج الصحية – في بلدان مع مستويات من النشاط الاقتصادي قابلة للمقارنة، عندما يتم السيطرة عليها من قبل إيديولوجيات معينة. أغلب أشكال الإنتاج والعبقرية – التي يمكن بطريقة ما تسخيرها لأجل الخير – يمكن أن يتم تعبئتها بهدف إلحاق الأذى بالمجتمع».

ويشير مونبيوت إلى أن الوحدة الاجتماعية لأكثر المهن الإنتاجية بشكل واضح تعتمد على الإطار الإيديولوجي الذي تعمل فيه، الإطار الذي تشكله الأصوات المتنافسة. الأصوات التي تكون مستقلة من السلطة البلوتوقراطية، والقادرة على توضيح المصالح ووجهات النظر التي تتعارض مع مطالبها، وهي بين الوسائل القليلة التي بسببها ربما يتم إعاقة سيطرتها على النشاط الإنتاجي. قيادة التغيير

يتحدث الكاتب عن نماذج عديدة من الحوادث والقضايا في المملكة المتحدة والولايات المتحدة قائلاً: «للمرة الأولى، ديون المستهلك في المملكة المتحدة تتجاوز، الآن، إنتاجنا الوطني الإجمالي. ويظهر أحد التقارير أننا نملك 1.35 تريليون جنيه أسترليني. والمفتشون في الولايات المتحدة اكتشفوا أن 77 ألفاً من الجسور في حالة خطرة كالذي انهار في ميسيسبي في أغسطس(آب) 2007. وبعد سنتين من حدوث إعصار كاترينا في 2005، لا يزال 120 ألفاً من سكان نيو أورلينز يعيشون في منازل متحركة على عربات وغرف مفروشة بشكل مؤقت». ويضيف منتقداً: «ومع اقتراب تغير المناخ بشكل سريع، ترفض الحكومات اتخاذ الإجراءات اللازمة. فضلاً عن أن ازدهار اللامساواة يهدد بخلق مجتمعات أكثر تقسيماً مما شهدته البشرية منذ الحرب العالمية الأولى.

والأزمة الاقتصادية التي سببها الإقراض غير المنظم يمكن أن تطرد مئات الآلاف من منازلهم، وتثير شلالات من المشكلات الاقتصادية. إن هذه المشكلات تظهر بشكل غير مترابط، لكنها جميعاً تشترك في شيء واحد، وتنشأ في الجزء الأكبر منها من لقاء حدث قبل ستين سنة في منتجع سويسري، حيث تم وضع الأسس لفلسفة الحكومة المسؤولة عن العديد، ربما أكثر، أزماتنا المعاصرة. فلسفتها التي عرفت فيما بعد باسم «الليبرالية الجديدة» تطابقت مع مصالح الناس الأكثر ثراء، وبالتالي فإن هؤلاء سوف يروجون لها». وعلق على هذه الفلسفة التي خلفت المآسي والحروب والدمار في أجزاء عديدة من العالم الليبرالية الجديدة تدعي أننا نحصل على خدمات أفضل مع التوسيع في تحرر السوق، والتدخل الأقل من قبل الدولة، حيث ترى أنه ينبغي أن يكون دور الحكومة محصوراً في خلق الأسواق والدفاع عنها، وحماية الممتلكات الخاصة، والدفاع عنها. أما كل الوظائف الأخرى فتقوم بتأديتها – على نحو أفضل – المشاريع الخاصة التي سيتم الترويج لها من خلال دافع الربح لتقديم الخدمات الأساسية. بهذه الوسيلة، تكون الأعمال ليبرالية، وتتخذ القرارات العقلانية ويتحرر المواطنون من اليد المهينة للكرامة البشرية للدولة. ويضيف أن الظروف التي تطالب بها الليبرالية الجديدة لكي تحرر البشر من عبودية الدولة – ضرائب بالحد الأدنى، تفكيك الخدمات العامة والأمن الاجتماعي، ورفع القيود عن الأسواق المالية والتجارية، وتعطيل النقابات – يمكن لها فقط أن تحدث هذه ولكن لتهيئة الظروف المطلوبة لجعل النخبة أكثر ثراء، بينما يبقى الجميع يغرق أو يسبح في بحر من المعاناة والأزمات والحروب.

ويختم كلامه في هذا السياق: «إذا ما بقيت الليبرالية الجديدة من دون مراجعة حقيقية، فسوف تثير الأزمات واحدة تلو الأخرى، ولكن كلها يمكن أن تحل من خلال تدخل أكبر من ناحية الدولة».

ويتحدث في الفصل الأخير من الكتاب عن القيم الاجتماعية والبيئة التي تؤثر فينا، وصياغة علاقاتنا مع بعضنا بعضا، وشكل هويتنا الاجتماعية التي تحتاج إلى تغيير في سياق يكون في خدمة الإنسان ورفاهيته، بعيداً عن مصالح الشركات والقلة التي تتحكم برأس المال، والفوضى التي تخلقها، ويقول: «يجب علينا أن نقود هذا التغيير بأنفسنا. فهؤلاء الذين لديهم قيم جوهرية عميقة يجب ألا يشعروا بالحرج أمام هؤلاء الذي يرغبون في الترويج لقيم تركز على المظاهر الخارجية التي في جوهرها تخدم مصالح الشركات. يجب علينا أن نناقش السياسات التي نريدها، ليس على أساس النفعية، بل على أسس تكون مفعمة بالتعاطف واللطف مع الآخرين، وتقف في وجه من يشجع الأنانية. بالتركيز على قيمنا نصنع التغيير الذي نريد أن نراه».

المؤلف في سطور:

جورج مونبيوت كاتب بريطاني معروف بمواقفه ونشاطاته البيئية والسياسية، من مواليد 1963 درس علم الحيوان، وتخصص خلال عمله مع»بي بي سي»في تقديم برامج بيئية، واشتغل كمحرر أخبار على الراديو في وحدة التاريخ الطبيعي، كما عمل صحفياً استقصائياً في عدد من دول العالم.

كتب في صحيفة «ذا غارديان» البريطانية، وله العديد من المؤلفات نذكر منها: «السهام المسمومة» (1989)، «مستجمعات المياه في الأمازون» (1991)، «رحلة استقصائية عبر كينيا وتنزانيا» (1994)، «دولة أسيرة: سيطرة الشركات على بريطانيا» (2000)، «سن الرشد: بيان لأجل نظام عالمي جديد» (2003)، «الحرارة: كيف توقف احتراق الكون؟» (2006).

ويعتبر جورج مونبيوت مؤسس حملة «الأرض أرضنا» السلمية، التي تهدف إلى حق الوصول إلى الريف وموارده في المملكة المتحدة، حيث أعاد من خلالها تعريف علاقة السكان مع العالم الحالي، وأطلق في يناير/كانون الثاني 2010 موقعاً إلكترونياً باسم»اعتقلوا بلير» وذلك لمحاسبة رئيس الوزراء البريطاني السابق وضرورة تقديمه للعدالة على الجرائم التي ارتكبتها ضد السلام.

ومن أهم القضايا التي يعمل عليها محاربة السلطة غير الديمقراطية، والفساد، وخداع الجمهور، وتدمير البيئة، والظلم وعدم المساواة وسوء تخصيص الموارد، والنفايات، وإنكار الحقوق، والسياسات التحرريّة التي تمنح حرية أكبر للأقوياء على حساب الضعفاء.

 

قد يعجبك ايضا ...