«مثنوي» الرومي.. روح الحكمة وأشواق العاشق

القاهرة: «الخليج»

كان «جلال الدين الرومي» ذا موهبة فطرية نادرة، وكانت ملازمته أباه في أسفاره وحضوره مجالس العلماء وحلقات مشايخ الصوفية، لهما أكبر الأثر في نسج خيوط شخصيته الصوفية، وقد ظل يدرس علوم الدنيا والدين على يد أبيه إلى يوم وفاته، ثم رحل بعد ذلك إلى دمشق وحلب لاستيفاء الدرس والتحصيل، وفي بلاد الشام التقى واحداً من أفذاذ تلامذة أبيه هو برهان الدين الترمذي الذي لقنه بعض أسرار مذهب الطريقة الصوفية، ثم عاد إلى قونية واستقر بها، وأخذ يدرس التصوف.
سار جلال الدين الرومي على نهج أبيه في تدريس العلوم الدينية والوعظ، وتولى التدريس في أربع مدارس في قونية، والتف حوله الطلاب من كل حدب وصوب، لما لمسوه فيه من تبحر في العلم وتفقه في الدين، هذا إلى جانب دماثة خلقه وتواضعه الجمّ، وسرعان ما ذاع صيته واشتهر، واحتل منبر أبيه وتبوأ بجدارة، مركزه في قونية حاضرة بلاد الروم (الأناضول) ومن هنا اكتسب اسم شهرته «الرومي».
في عام 642 ه حدثت نقطة تحول في حياة جلال الدين الرومي العقلية والفكرية، وكان هذا التحول نتيجة لالتقائه شمس الدين التبريزي أحد مشهوري مشايخ الصوفية الأفذاذ في عصره، والتقى الدرويشُ الصوفي العالمَ الدينيَّ، وجعل منه صوفياً مولهاً، وكرس نفسه مرشداً روحياً له، وهكذا تحول جلال الدين الرومي من عالم يعلم العلوم الدينية، ويعتلي منبر الوعظ إلى صوفي متفرغ للرياضة الصوفية، وقرض الشعر الصوفي، وبين عشية وضحاها تمكن شمس الدين التبريزي من أن يتسلل بسهولة إلى قرارة نفس جلال الدين الرومي الذي تغلغلت محبته في قلبه وأصبحا صديقين لا يفترقان، وبعد وفاة شمس الدين لم يحِد جلال الدين عن انقطاعه للرياضة الصوفية.

وقد شرع جلال الدين الرومي في نظم «مثنوي» في مستهل عام 658 ه وأنجز الجزء السادس عام 672 ه قبل وفاته بأيام، ومثنوي منظومة صوفية في بحر الرمل، والشاعر فيها معلم مختلف الأساليب ينتقل من تفسير آية أو شرح حديث إلى ضرب مثل، وينصح وينتقل بتلاميذه من فن إلى فن، وكل هذا موصول بذكر الله، والقصّ شائع في ثنايا المنظومة وفصولها لا ينفصل بعضها عن بعض، بل يؤدي الاستطراد من فصل إلى فصل، وربما يبدأ القصة ثم يرجع ليتم الأولى على النسق المعروف في كتاب كليلة ودمنة، ويأخذ القصة القصيرة يتوسل بها إلى مقاصده فيطول بها البيان حتى تصير حوادث القصة ضئيلة خفيفة في البيان الذي يبتغيه.
جلال الدين الرومي شاعر أصيل تتجلى في شعره روعة الخيال الخصب وقوة البيان الساحر وبراعة التصوير الفني، كما يمتاز بقدرة فائقة على صوغ المعنى الواحد في عدة قوالب مختلفة، واختيار الآيات القرآنية والأحاديث القدسية الشريفة والأمثال والحكم المناسبة، وتضمينها إبداعه الفني، لكن جلال الدين الفيلسوف أقل ابتكاراً من جلال الدين الشاعر، لكنه عبر عن آرائه ونظرياته الفلسفية بأسلوب يفيض قوة وحماسة وإيماناً، من دون أن ينهج في عرضها أثر أسلافه الأقدمين.
ترك «مثنوي»، سواء في أصله الفارسي أو في ترجمته العربية، آثاراً كبيرة في العقل العربي وفي الفكر الإسلامي، ولا يزال يعد من روائع الآثار الإنسانية الخالدة، وقد ذاع صداه في الشرق والغرب، ولا يزال معدوداً من أشهر كتب التراث الإسلامي، وقد بلغ أثره في آسيا الصغرى والهند وإيران مبلغاً كبيراً، وكانت له المنزلة الرفيعة على امتداد العصور وألفت شروح كثيرة لمثنوي، وكان أهل قونية يعدون جلال الدين الرومي ساحراً لشدة تأثيره فيهم، فقد كان شخصية متميزة قل نظيرها، وصار إماماً روحياً للكثير من الناس في العالم الإسلامي.
«مثنوي»، كتاب حكمة وأخلاق وفلسفة وذوق وتربية ومعارف اجتماعية وقصص رفيعة، وتبلغ حكاياته 275 حكاية منها 264 حكاية كانت لها الأسبقية في الأدب الفارسي، وفي قصائد المثنوي تشعر دائماً بروح الحكمة والفيلسوف والعالم والزاهد والشاعر والمتيم والولهان.

قد يعجبك ايضا ...