محمود موسى .. مروض الحجر

%d9%85%d8%ad%d9%85%d9%88%d8%af-%d9%85%d9%88%d8%b3%d9%89-%d9%85%d8%b1%d9%88%d8%b6-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%ac%d8%b1

القاهرة: «الخليج»

ألقى النحات الكبير محمود مختار بظله العريض على حركة النحت المصري الحديث على امتداد عدة أجيال خلال النصف الأول من القرن العشرين، وكانت نادرة محاولات بعض الفنانين للإفلات من هيمنته بحثاً عن أساليب جديدة، مثل جمال السجيني ومنصور فرج وأحمد عثمان، الذين أدركوا منابع أخرى ينهلون منها، إلى جانب الفن المصري القديم والفن اليوناني والروماني، اللذين نبع منهما فن مختار، فكانوا يزاوجون بين القيم الجوهرية في النحت الكلاسيكي للحضارات القديمة، وبين قيم الحداثة الغربية في القرن العشرين، وبين قيم الفن الآسيوي العتيق، والأهم من ذلك ارتادوا منابع البيئة المصرية والفطرة الشعبية بوصفها روافد رئيسية لرؤاهم الفنية.
يؤكد عصمت داوستاشي في كتابه «محمود موسى فنان تحدى الصخر» أن هذا الفنان (1913 – 2003) اختزل رؤيته النحتية في النوع الأخير من تلك الروافد أكثر من غيرها، على خلفية من قيم النحت المصري القديم، برسوخ كتله الحجرية وخلوها من الفراغات والنتوءات وثرثرة التفاصيل، وبعبورها من منظور مرآة الواقع المباشر إلى مرآة بصيرة الفنان للواقع، مغلفة بذلك الحس الكوني المطلق، بفلسفة الفنان الشرقي الذي يدرك الكائنات والأشكال، بوصفها وحدة كلية لا تتجزأ، وبعيدا عن الطابع الطقسي المقدس أو الملكي المترفع للنحت المصري كان يؤكد الحس الفطري للحياة اليومية، بنثريتها التي تحمل بداخلها همس الشعر العامي المصفى إذا جاز التعبير.
كان حرياً بموسى – كما يقول داوستاشي – أن يقتفي أثر مختار منذ بداياته الفنية، كونه أول من شجعه وأوصى بالاهتمام به وهو لا يزال شابا صغيرا يحضر دروس الرسم والنحت في مدرسة ليلية بالإسكندرية كان يرعاها الفنان الرائد محمود سعيد ويزورها مختار، كان هذا التشجيع كفيلاً بأن ينقله من مستوى الانبهار بمؤسس النحت الحديث في مصر إلى مستوى الذوبان فيه والسعي لمحاكاته، وهو لم يزل غضا وهشا مثل قطعة الإسفنج تمتص ما يقابلها، لكن ذلك لم يحدث، بل نراه يشق طريقا مختلفا تماما، لا يبحث عن الجلال والكمال والرمز مثلما فعل مختار، المدفوع بمثاليته ورمزيته لمعنى الوطن، بل يبحث عن المألوف والعادي، من الكائنات، ويودعها مسحة من العاطفة الإنسانية، ولو من خلال علاقة فلاح بحيوان، أو كان النموذج الذي يشكله عنزة أو سمكة أو طائرا، يختزل كل منها من المشاعر وحس الفطرة الصادقة ما تعجز عن تحقيقه بعض الأعمال الكلاسيكية.

 

قد يعجبك ايضا ...