مشاركات في مهرجانات دولية مرموقة

3 عروض تقفز بالمسرح الإماراتي
3-%d8%b9%d8%b1%d9%88%d8%b6-%d8%aa%d9%82%d9%81%d8%b2-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b3%d8%b1%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%aa%d9%8a
محمد ولد محمد سالم
تبدو مشاركات المسرح الإماراتي الخارجية خلال الموسم المسرحي الحالي لافتة، في حجمها ونوعية المهرجانات التي شاركت فيها، فخلال أقل من ثلاثة أشهر جرت 3 مشاركات خارجية لثلاثة عروض مسرحية إماراتية في مهرجانات دولية كبيرة، حيث شاركت مسرحية «أيام اللولو» التي ألفها وأخرجها ناجي الحاي لمسرح دبي الأهلي في مهرجان شاكي الدولي في أذربيجان وهو واحد من أقوى المهرجانات في منطقة آسيا الوسطى، ويتمتع بسمعة دولية، ولا يتم الترشيح له بسهولة، أما المشاركة الثانية فكانت «تحولات حالات الأحياء والأشياء»، تأليف قاسم محمد وإخراج محمد العامري لمسرح الشارقة الوطني، التي شاركت في الدورة الثالثة والعشرين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، التي نظمت في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
المشاركة الثالثة كانت لمسرحية «شيطان البحر» إخراج أحمد الأنصاري، لفرقة المسرح الحديث في الشارقة، وهي من تأليف مرعي الحليان، وقد شاركت في مهرجان الأردن المسرحي الثالث والعشرين الذي نظم في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي في العاصمة عمّان، وكان حضور تلك العروض بارزاً، وحصل بعضها على تكريمات وجوائز، وتركت في مجموعها انطباعات جيدة عن واقع الحركة المسرحية الإماراتية.

لم يأت اختيار تلك العروض للمشاركة في هذه الفعاليات الدولية من فراغ، فقد شكلت كلها علامات بارزة حين عرضت أول مرة في الدورة السادسة والعشرين من مهرجان أيام الشارقة في مارس الماضي، وترشّحت كلها لجائزة العرض المسرحي المتكامل في تلك الدورة، وفازت بها مسرحية «تحولات حالات الأحياء والأشياء»، كما أنها كلها نالت تقييمات نقدية، ارتأى أصحابها أن كل واحد من تلك العروض كان في المجمل عرضاً متكاملاً، وإن اختلفت مناطق تركيز كل منها، فقد ركز عرض «اللؤلؤ» على استغلال لغة الجسد لأبعد الحدود، وجعلها معادلاً للحوار، فكان ما تقوله الحركة يوازي ما تقوله الحوارات، وركز عرض «شيطان البحر» على صناعة مختلف الأجواء والفضاءات التي تكتنف الحدث الدرامي، مهما كانت تلك الأجواء بعيدة عن المسرح مثل (أجواء البحر)، ونجح عرض «تحولات حالات الأحياء والأشياء» في إدخال مسرح العرائس في صلب العرض المسرحي العادي، وإقامة ترابط أصيل بينهما.
لا شك أن اختيار مسرحية «أيام اللولو» في مهرجان شاكي الدولي استند إلى تقييم شامل لهذه العرض الذي قدمه مخرج مسرحي متمرس عميق الفهم للمسرح، وواسع الخبرة بآليات اشتغاله، فناجي الحاي العائد من فترة استراحة مسرحية دامت عشر سنوات، عرف كيف يستأنف تجربته، من خلال تجميع عدة عناصر،منها استغلال لغة الجسد، والأداء الحركي لدى الممثلتين، اللتين اشتركتا في العرض في مقدمتها، حيث تألقت الفنانة بدرية أحمد في أداء دور المرأة العجوز العاجزة عن الحركة، المصابة بالخرف، وكان التحدي في أن تحافظ على طبيعة دورها، طوال الساعة التي امتد عليها العرض، وأن يظل مع ذلك دورها متصاعداً، من دون أن تسقط في رتابة أو ملل، وساعدها عامل الخرف الذي يجعلها تدخل في سياقات متنوعة من الحوارات والموضوعات، وتتوهم مواقف لا حصر لها استطاع ناجي الحاي عن طريقها خياطة حكايته، وتجميع مفاصلها من أزمنة ومواقف مختلفة عبرتها ذاكرة تلك العجوز الخرفة، وكذلك عبرتها ذاكرة ابنتها التي وجدت نفسها سجينة تلك المعاناة اليومية للشابة سوزان مع أمها العجوز، لولوة السالم، التي تتوهم أنها لا تزال تعيش في عالم العز والحياة الباذخة المترفعة على مجتمعها، والمسكونة بالنمط الغربي، وفي الحقيقة أن ذلك كله قد تلاشى بموت زوجها، واستحواذ شركائه على حصتها من الشركة التي كان يديرها، فأصبحت فقيرة تعيش على معونات «دار العجزة».

أيضا وظّف المخرج الأداء الحركي للممثلة بدور التي قامت بدور «سوزان» إلى أبعد الحدود، من خلال لوحات استعراضية من الرقص، شكلت وسيلة سوزان التي تعاني غربة نفسية عميقة، للتعبيرعن ألمها، وتذمرها من أوهام أمها التي لا حدود لها، فهي غاضبة من تنكر أمها الدائم لأصلها، واحتقارها لحياة مجتمعها، خصوصا أن عقلية الترفع هي التي جعلت أبوي سوزان يرغمانها على أن تعيش حياتها كلها في لندن بعيداً عن أهلها، وتدرس فن الباليه، ما قطعها عن مجتمعها وأهلها، وها هي اليوم عندما اضطرت للعودة إليه، لا تعرف كيف تتواصل معه، فهي لم تتعلم أي شيء سوى رقص الباليه الغريب على مجتمعها.

شكل تعارض الرقص مع الثرثرة المتواصلة من طرف العجوز نوعاً من الصراع الشكلي الجميل الذي كسر الرتابة الأفقية للعرض، وأعطاه حركية متصاعدة، هذا إلى جانب الاستخدام البسيط للديكور الذي جاء متقشفاً، لا يعدو طاولة، وكرسياً باذخاً تجلس عليه العجوز طوال الوقت كأنه من بقايا عالمها المتلاشي، كذلك كانت الإضاءة تتبدل وتتلون برشاقة لتوحي بالأجواء النفسية التي تدور فيها المسرحية، ولم تتخلف الموسيقى عن الركب، فقد وظفت هي الأخرى لتعزيز تصاعد العرض والإيحاء بأجوائه النفسية المتعددة.
لا شك أن كل تلك العناصر الموظفة توظيفاً جيداً تتناغم فيه العناصر البصرية والحسية مع الأوضاع النفسية والحوارات والفضاء الدرامي للعرض، كل ذلك جعل «أيام اللولو» عرضاً متميزاً، أصيلاً في طرحه، حداثياً في أدوات اشتغاله، وعلامة بارزة في عروض الإمارات لهذا العام، وهو ما أغرى مهرجان ساكي باختياره ضمن عروض هذا العام.

تحكم في الأداء
النجاح الذي حققته مسرحية «شيطان البحر» جاء من التحكم الواعي لدى المخرج المتمرس أحمد الأنصاري في أداء الممثلين، وتنسيق أدوارهم، وتنظيم حركتهم، والقدرة السينوغرافية على تكييف الخشبة بجميع الأجواء، على اختلافها وتنوعها، حيث أجواء البحر بأمواجه وضبابه، وأجواء القلعة بهيبتها وغموضها بالنسبة للبسطاء الذين يشاهدونها من الخارج، وأجواء السوق، وغير ذلك من التفاصيل التي كانت تقدم بشكل مدروس، ومن ناحية التمثيل، فقد اعتمد المخرج على ممثلين بارعين في مقدمتهم إبراهيم سالم وحميد فارس وعلياء المناعي وأحمد ناصر الذين أدوا أدوارهم بقوة، وقادوا العمل بسلاسة حتى نهايته.
هذا التشكيل البصري الباذخ والمعقد الذي يجمع بين الحركة واللون والمؤثرات الصوتية والضوئية، كان النجاح في حياكته بسلاسة كافياً وحده لجعل عرض «شيطان البحر» عرضاً ممتعاً وناجحاً، ويتأكد ذلك النجاح، إذا ما أضيفت إلى التشكيل البصري فكرة العرض الذي يتناول حياة مجتمع البحارة الخليجيين التقليدي، فيقدم من خلاله الصراع الأزلي بين الطبقة المستضعفة المسحوقة، والطبقة المتحكمة التي تسعى لتأبيد سيطرتها بكل الوسائل، بما فيها الإغراء والتهديد والشعوذة، ف«مفتون» ذلك البحار المسكين المدقع، سوف تفتح له الدنيا أبوابها عندما يعثر على «اللؤلؤة الزرقاء» (الزمردة)، التي لا تقدر بكنوز الأرض، ويظن أنه فارق حياة الفقر إلى الأبد، ويلتف حوله البحارة أصدقاؤه من البحارة الفقراء، فيعدهم بأنه سوف يحوّل حياتهم إلى جنة دائمة، لكنّ مجتمع التجار الذين يتحكمون في المدينة، وفي تجارة اللؤلؤ فيها، لن يتركوه يهنأ بصيده، فهم سيبخسون له اكتشافه، ويصورون له أنها لؤلؤة زائفة ولا قيمة لها، وحين لا يقتنع يلجؤون إلى تخويفه، وحين يحميه أصدقاؤه، يلجؤون إلى المشعوذ الذي يعمل لابنه عملاً يصيبه بمرض عضال، لا يستطيع شفاءه، ويصل مفتون إلى حالة من زيغ الفؤاد يتوهم معها أن هناك من يحاول قتله، وتحل بأسرته الصغيرة كارثة عظيمة بسبب تلك الزمردة، ما يدفع زوجته المذعورة بسبب ما أصاب ابنهما، ومن الحوادث التي حاقت بهما، إلى اختطاف الزمردة، ورميها في البحر، أمام عيني زوجها المندهش، الذي يهجم عليها ويقتلها.

صندوق العجب
جاء نجاح «تحولات حالات الأحياء والأشياء» من المزج الذي صنعه الفنان العامري بين منطقتين مسرحيتين متمايزتين تماماً، هما مسرح الخشبة أو المسرح العادي، وفن العرائس، وما قدمه من حلول إخراجية سهلت ذلك المزج، وجعلته طبيعياً أمام عين المتفرج، فالمسرحية تبدأ بمشهد من «صندوق العجب»، حيث توجد بداخله دُمى تحركها يد لاعب مختبئ خلف الصندوق، وتصاحب حركات الدمى حوارات معبرة عن الشخصيات التي تمثلها الدمى، راقصة ورجل عاشق وآخر معجب ومهرج، ثم ننتقل إلى مشهد يختفي فيه الصندوق لتصبح الخشبة هي الصندوق الكبير، ونكون أمام دمى كبيرة معلقة، وشخصيات ثم يحدث إظلام يتبدل معه المشهد، فنكون أمام ممثلين على هيئة دمى كبيرة، تبدأ في أداء أدوارها تماماً، كما لو أنها لا تزال تلك الدمى التي يحركها اللاعب في الصندوق، وخلال أحداث المسرحية يصنع المخرج عالمين يتبادلان الأدوار على الخشبة، العالم الأول هو عالم الدمى التي تتوق للخروج من الصندوق الذي يحتجزها فيه اللاعب، وتتصارع على قبول أو رفض فكرة التمرد على اللاعب والخروج إلى عالم الإنسان، والعالم الثاني عالم البشر الذي يمثله في المقام الأول اللاعب المتحكم في الدمى والذي لا يظهر، ولا يوجد إلا من خلال حوارات الدمى الدائرة أثناء محاولتها التمرد، وسيتحول عالم البشر إلى حقيقة عندما يخرج المهرج الذي قاد التمرد من الصندوق، فيجد نفسه بين البشر، ويبرع المخرج في تقديم تجليات العالم البشري من خلال الأشكال المتعددة من البشر الذين استغلوا المهرج الدمية، وظلموه، وعذبوه، حتى كره حياة البشر، وعرف أنها ليست ذلك الحلم الجميل الذي كان يحلمه، فعاد إلى حياة الدمى، وهنا يرجع العرض ثانية إلى عالم الدمى، فهذا التنقل الدرامي المتواصل بين العالمين، هو ما أعطى للعرض خصوصيته، وجعله عرضاً تجريبياً بالمعنى الأصيل للكلمة، لأنه جرب المزج بين عالمين فنيين مختلفين، ونجح في صناعة التواشج بينهما.
لعبت الرؤية الدرامية الواضحة للعرض دوراً كبيراً في تسهيل مهمة المخرج وتنقلاته بين تلك العوالم، وهي رؤية تقوم على هجاء واقع الحياة البشرية، وما فيها من صراعات واستغلال وظلم وبؤس تجعل حياة الجماد أهدأ منها وأكثر براءة، وقد تناسقت مع البهاء البصري الذي يعرف العامري كيف يصنعه، من خلال الديكور والملابس والإضاءة والمؤثرات الصوتية، فكان العرض في مجمله لعبة دمى بسيطة ومؤثرة، برع فيها الممثلون في تقمص أدوارهم، وبرع فيها المكياج في الاشتغال على أجساد الممثلين لتحويلها إلى أشكال تشبه الدمى، وكانت الحركات في مجملها مدروسة بعناية، وكانت إدارة الممثلين ناجحة.
مع ناجي الحاي الرائد الفنان، وأحمد الأنصاري المجتهد الدؤوب، ومحمد العامري الخيالي الحالم، قفز المسرح الإماراتي في موسم هذا العام إلى مستوى متقدم من العطاء، لن يكون من المبالغة إذا قلنا إنه يضاهي ما يقدم هذه الأيام على أهم المسارح العربية والعالمية.

You may also like...