مكتبة جمال بن حويرب.. قصة شغف مبكر بالقراءة

%d9%85%d9%83%d8%aa%d8%a8%d8%a9-%d8%ac%d9%85%d8%a7%d9%84-%d8%a8%d9%86-%d8%ad%d9%88%d9%8a%d8%b1%d8%a8-%d9%82%d8%b5%d8%a9-%d8%b4%d8%ba%d9%81-%d9%85%d8%a8%d9%83%d8%b1-%d8%a8%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1

دبي: غيث خوري

في حياة كل قارئ هناك قصة تتشكل مع الزمن، هي قصة مكتبته التي كونها رويداً رويداً، ووضع فيها من دون كلل الكثير من الحب والاهتمام حتى أصبحت جزءاً منه، ومن تكوينه النفسي، يزورها كل يوم ويلقي عليها التحية، تربطهما علاقة خاصة لا تشبه ولا تخضع للقوانين ذاتها التي تخضع لها العلاقات البشرية، إنها شيء مختلف، كما يقول ألبرتو مانغويل في مؤلفه «المكتبة في الليل»: «كانت المكتبات، مكتبتي الخاصة، أو تلك العامة التي أشارك فيها جموع القراء، تبدو لي دائماً أمكنة مجنونة على نحو ممتع، أحس بمتعة المغامرة حين أفقد نفسي وسط الأكداس المكتظة، مؤمناً بشكل خرافي بأن الهرمية الراسخة للحروف والأرقام ستقودني ذات يوم لغاية موعودة. في ظل هذا الوهم المتناغم، قضيت نصف قرن بجمع الكتب، وبكرم لاحد له، قدمت لي كتبي كل أنواع الإشراقات، من دون أن تسأل شيئاً بالمقابل».
في مكتبته التي افتتحها للعموم في دبي عام 2009، التقينا الباحث والمؤرخ الإماراتي جمال بن حويرب الذي يشغل الآن منصب المستشار الثقافي في حكومة دبي، العضو المنتدب لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، للحديث عن مكتبته وعلاقته بالكتاب.

توثيق الحركة الثقافية

لجمال بن حويرب تجربة مهمة في توثيق الحركة الثقافية والإبداعية لإمارة دبي، وبقية إمارات الدولة والخليج العربي، إلى جانب اضطلاعه بالعديد من المهام الثقافية، واهتمامه بالشعر الشعبي، والروايات المنقولة، وكتب التراث العربي والإسلامي، وهو من العناصر الأدبية النشطة على ساحة العمل الثقافي المحلية والإقليمية، وله العديد من الإسهامات، حيث قدّم سلسلة من الأعمال المتنوعة ما بين الشعر والأدب والتاريخ، وكذلك في مجال التعليم وصدرت له كتب عدة بين التأليف والتحقيق.
يتحدث ابن حويرب بشغف عن علاقته المبكرة مع القراءة، التي بدأت من مكتبة والده الصغيرة في المنزل، وما حوته من كتب شكلت معارفه الأولى وارتباطه بعالم القراءة، إضافة إلى نشأته مع أخته الكبرى التي كانت محبة للقراءة وزرعت فيه ذلك الحب أيضاً.

يقول ابن حويرب: «كانت كل مدخرات الطفولة المالية تذهب تقريباً لشراء الكتب والمجلات والقصص، حيث كان امتلاك أي كتاب يشكل متعة نفسية كبيرة بالنسبة إلي، وهكذا شيئاً، فشيئاً، تكونت المعالم الأولى لمكتبتي الخاصة، وبدأت أفضل الصداقات في حياتي وهي صداقة الكتاب الذي لم أتركه يوماً، ورافقني في مسيرتي المهنية، وفي كل تفاصيل حياتي».
تضم المكتبة العامة التي أنشأها جمال بن حويرب، عدداً كبيراً من الكتب المتخصصة بشؤون الدراسات والبحوث التاريخية والتراثية، التي كان هدفه الأول من إنشائها هو تقليص المتاعب التي يواجهها الباحثون في المجال ذاته.
وتركز المكتبة على الكتب المتعلقة بتاريخ دبي خصوصاً، وبالإمارات عموماً، وتنظم بشكل دوري جلسات البحث والتوثيق حول مؤسسات الدولة ومسارات نموها وتطويرها حتى يومنا هذا، وجلسات حول البلدية ودائرة الأراضي، وتاريخ القضاء، وبدايات التعليم في دبي، بهدف تدوين تاريخ الدولة، وتوفير إضافة مهمة للباحثين، فضلاً عن الهدف الأساسي المتمثل في الحفاظ على التراث وتوثيقه.
ويشير ابن حويرب إلى أن المكتبة تضم نوادر الكتب عن تاريخ الخليج العربي، إضافة إلى الأبحاث الموسعة حول اللغة العربية التي أضيفت مؤخراً لترفد أقسام المكتبة، وتعين الباحثين الجادين في علوم اللغة العربية، وقد اتسعت المكتبة منذ تأسيسها باطراد حتى أصبحت تضم اليوم آلاف الكتب المتخصصة في مجالات عدة، أهمها التاريخ والتراث واللغة.
تترك الكتب أثراً جماً في حياة قارئها، وتشكل نبعاً جديداً يرفد معارفه، وتفتح له أبواباً جديدة، وتضيء له غرفاً مظلمة، هكذا يصف ابن حويرب أثر الكتاب فيه، مضيفاً «لقد بدأ القرآن الكريم ب«اقرأ» وهذا أكبر دلالة على أهمية القراءة في حياة كل إنسان».فكر خلاق

بين أهم الكتب التي تركت لديه أثراً كبيراً، وأنارت معارفه، يشير ابن حويرب إلى كتابي «رؤيتي»، و«ومضات من فكر»، لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لما يحتويانه من فكر خلاق وإبداعي، فكر يفاجئ قارئه بسعة رؤيته وصوابيته، فسموه نموذج الحاكم الناجح والقارئ الجاد، الذي يعلي من قيمة المعرفة والثقافة، ويسعى بعمله الدؤوب لكي يرتقي بأمته وحضارته إلى صروح المجد.
يعتبر ابن حويرب القراءة بمثابة المفتاح الرئيسي نحو التألق الحضاري، فمنذ ثمانية قرون تخلف المسلمون والعرب عن ركب الحضارة لأنهم تخلوا عن المعرفة، ولم تعد القراءة لديهم أسلوب حياة كما كانت سابقاً، لذلك إذا أرادت الأمة العربية والإسلامية أن تعود من جديد إلى الواجهة الحضارية، وإلى واجهة التأثير والفعل والتفاعل في كل المجالات وفي كل المستويات، لابد لها أولاً وأخيراً، من أن تعود إلى الكتاب والمعرفة، وتعظم من دور القراءة، وتكرسها كشيء أساسي في نفوس وعقول أبنائها، لكي تصبح كما الماء والهواء حاجة أساسية، لا بديل عنها.
ينكب ابن حويرب على قراءة المجلات المتخصصة، الأكاديمية والمحكمة والكتب العلمية، لما فيها من بحوث مهمة جداً في العلوم المتخصصة تتابع ما يجري على الساحة العلمية في مختلف بلدان العالم، كما أنه شغوف بالتاريخ والجغرافيا والبحث في مفردات اللغة.. الخ، ونادراً ما تجد كتاباً في مكتبته ولم يلصق عليه بعض الأوراق التي تحمل ملاحظاته وتعليقاته على المحتوى.
نحو عام القراءة يأخذنا الحوار، فيتحدث ابن حويرب عن عظمة هذه المبادرة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، كمبادرة خلاقة وواعدة بمستقبل مشع وأفق مشرق، حيث لم تكن المبادرة محصورة في النطاق الجغرافي للإمارات، بل امتد تأثيرها إلى الخارج، وأصابت أصداؤها أنحاء الأمة العربية. كما لم تقتصر المبادرة على عام واحد، بل امتدت لعشرة أعوام، ستقاس خلالها نسبة القراءة في جميع الدوائر والوزارات، وهذه فائدة عظمى لشعب الإمارات، وفائدة كذلك للاقتداء بها في الوطن العربي، ويجب ألا ننسى الدور الذي قامت به مصر وبلاد الشام ودول المغرب العربي، ومازالت تقوم به في مجالات الثقافة والإنتاج المعرفي، وكل هذه الأدوار تتكامل وتتفاعل لتشكل وحدة ثقافية، وتصب في مصلحة بناء الإنسان العربي والارتقاء به.

إبداعات شعرية

أنتج ابن حويرب عشرات الكتب والأبحاث في مجالات شتى، إضافة إلى إبداعاته الشعرية، فهو شاعر متمرس يقرض الفصيح والنبطي على السواء، وله إسهامات كثيرة في الحفظ والتعريف بالمبدعين الإماراتيين، حيث جاء أول كتاب له حول حياة الشاعر مبارك العقيلي.
وألف كذلك «مختصر تنبيه الغافلين»، ثم توالت الكتب مثل «يوميات»، ومؤخراً ديوان «فاتنة» الذي يحمل صوراً شاعرية خلاقة، مشتملاً على 54 قصيدة تنسج تنويعات الشعر بروح كلاسيكية حديثة.
أما آخر كتبه الصادرة حديثاً هذا العام فهو «نقوش على جدران الحياة» عن دار الفارابي اللبنانية، وهي مجموعة أبحاث ومقالات في التاريخ وفي الشخصيات والأعلام السياسية والأدبية.

مشروعات مستقبلية

مشروعات ابن حويرب كثيرة ومتنوعة، يقول : لدي أكثر من عشرة كتب موجودة وجاهزة، ولكن بسبب كثرة الأشغال تأخرت في إصدار بعضها، فطباعة الكتاب بالنسبة إلي أمر مقدس ويجب أن أفرغ له كل طاقتي واهتمامي، لأن هذا هو علمنا وفهمنا الذي نعرضه على الناس، ويجب علينا أن نحرص على التأليف والتحقيق والتجويد في كل تفاصيل الكتاب، حيث نشهد اليوم عدداً لا يستهان به من الكتب التي تصدر وفيها الكثير من الأخطاء المطبعية، واللغوية، ويعتريها الضعف والمعلومات المشوشة. وأنا الآن أجهز الجزء الثاني من كتاب «يوميات» الذي سيصدر في معرض الشارقة الدولي للكتاب هذا العام.

أهداف جادة

يقول ابن حويرب: «لست أقرأ بهدف المتعة فقط، إنما هدفي الأساسي من القراءة هو البحث، والتسجيل، والتعمق في الفكرة بغية التأليف، ولذا فإن معظم قراءاتي تأخذ المنحى العلمي. فكل ما أقرأه يدور في المجالات التي أكتب فيها، سواء كان في التاريخ، أو التراث، أو العلوم الشرعية، واللغوية، أو العلوم الإدارية والقيادة، والآن أنا مهتم جداً بعلوم استشراف المستقبل، لإنه يجب علينا اليوم أن نواكب تطلعات حكومتنا ونرتقي معها بفكرنا حتى نواكب النهضة الشاملة التي تشهدها الإمارات»

رمزية الأدب

في قصته «أيادي سبأ» يروي ابن حويرب حكاية مدينة تسلل إليها دعاة الشر، يعيش أهلها في رفاهية، دخلوا في زي معلمين دراويش، وأخذوا يسقون الطلبة من سمومهم وأفكارهم الشريرة، فتمكنوا من الوصول إلى عقول الشباب فيها، وهي قصة تقارب الوضع السياسي الراهن في الوطن العربي.

 

You may also like...