مكتبة مثقف

لولوة المنصوري: مكتبتي عالم فريد يمتلىء بالحكايات%d9%84%d9%88%d9%84%d9%88%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%86%d8%b5%d9%88%d8%b1%d9%8a-%d9%85%d9%83%d8%aa%d8%a8%d8%aa%d9%8a-%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85-%d9%81%d8%b1%d9%8a%d8%af-%d9%8a%d9%85%d8%aa%d9%84%d9%89
حوار:نجاة الفارس
لولوة أحمد المنصوري كاتبة إماراتية من مواليد إمارة رأس الخيمة، حاصلة على درجة بكالوريوس في الأدب العربي، إضافة إلى دبلوم في الإعلام، وحالياً تحضر للحصول على دبلوم في ترميم المخطوطات والوثائق القديمة، عضوة في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، عضوة في رابطة أديبات الإمارات، وفي هيئة تحرير مجلة بيت السرد الصادرة من اتحاد الكتاب، وهي أيضاً عضوة لجنة تحكيم جائزة الإمارات للرواية في دورتها الثانية. صدر للمنصوري في السرد: رواية «آخر نساء لنجة» عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، رواية «خرجنا من ضلع جبل» الفائزة بجائزة الإمارات للرواية، ورواية «قوس الرمل» عن دار العين للنشر، والمجموعة القصصية «قبر تحت رأسي» التي فازت بجائزة الشارقة للإبداع العربي، ولها مجموعة قصصية بعنوان «القرية التي تنام في جيبي» والتي فازت بجائزة مجلة دبي الثقافية، كما فازت قصتها «ظلام أبيض عميق جداً» بجائزة جمعة الفيروز للقصة القصيرة، وهي تعد أيضاً لإصدار «ملهاة المهد والماء».
تقول المنصوري في حوارها مع (الخليج): «أملك في بيتي مكتبة متواضعة، لا أذكر تحديداً متى تأسست، فلم يكن هنالك تاريخ وزمن معين تجمعت فيه كتبي وشكّلت لي مكتبة منوعة من كل باقات العلوم والفنون والمعارف، لقد كان أبي وهو موظف في وزارة الداخلية يهوى حرفة النجارة، تعلمها مع أصدقائه في البحرين حيث ورشة صغيرة في سوق النجارين، صمم لنفسه مكتبته الخاصة، بعد أن نحت لنا طاولات الدراسة والأدراج، وأرفف الزينة وبراويز المرايا لأمي، في بيتنا الكائن بمنطقة جلفار برأس الخيمة، مكتبة من خشب الهند الأصيل يكسوها زخرف الماضي وفن الحاضر، لها رائحة شباب أبي وحكمة صبر أصابعه».

كانت مكتبة أبي عالمي الفريد المعتق وركني الذي أحب رغم صعوبة محتواها، مكتبة علمية فلكيّة تكنولوجية وأكاديمية، كما تحوي بعض الكتب عن تاريخ وقبائل الخليج العربي، أنظّفها شهرياً وأعيد تعبئة الرفوف بالمجلدات والتذكارات والصور والدروع والأوسمة والهدايا التذكارية من وزارة الداخلية وشهادات الدورات التدريبية داخل الدولة وخارجها، كنت أمتهن التنظيف والترتيب والاستمتاع والفخر والعبث الساحر المليء بالفضول أثناء تلك المهمة، تدريجياً بدأتُ أتعلق بكل ما يضيفه أبي إلى مكتبته رغم تباين اهتماماتنا، إلا أنه سمح لي بأن أضيف كتبي الأدبية الخاصة إلى مكتبته، وكل ما يتعلق بدراستي الأكاديمية التي بدأت تتكاثر سنة بعد سنة، حتى صار لزاماً بأن تكون لي مكتبة خاصة في بيت والدي.

 
رائحة الخشب

تسترسل المنصوري بقولها «في شتاء عام 1999 امتلأ البيت مجدداً، وبتعالي دقات المطرقة وانخفاضها، اصطفت المسامير المعدنية على الدّكة المقابلة لحوش البيت، لقد راود الحنين أبي إلى سيرة النجار من جديد، وراح يمارس الإبداع في زمن انتهى، لكنه حاضر في الروح، مشتعل في الذاكرة، وبهندسة متقنة وتخطيط مسبق نحت أبي تفاصيل مكتبتي الخاصة، وصار لي في بيته مكتبة خشبية بيضاء حالمة وأنيقة ذات أبواب زجاجية، حوت كل جهدي الدراسي والبحثي والقرائي ومفضلاتي من الروايات والقصص والمجاميع الشعرية، ثم انتقلت هذه المكتبة معي إلى بيت الزوجية، وباتت تزدان وتتضخم أكثر ولا تتسع الرفوف لاستيعاب أكثر من الحجم الأنيق المحدود، حتى إني خصصتُ رفوفاً خارجة من حيز القراءة، مثل مكتبة للموسيقى والأقراص الإلكترونية التي حوت معزوفات للموسيقار اليوناني ياني، والعازف أندريه ريو، والفنان اليوناني يانيس كوتسيراس وغيرهم.

اكتظت المكتبة بالمحتويات، وفي البداية أبيت فكرة التخلي عن المكتبة التي فصلها أبي خصيصاً لي بعد أن باتت ضيقة، وفكرت بأن أرفقها بمكتبة مجاورة رغم ضيق مساحة غرفة الضيوف، فاستبعدت التخلي عن مكتبة أبي، التي كانت تحمل عبق سقف بيت أبي، أصابعه الحبيبة المنتمية إلى الفن والإبداع بعفوية إنسانية، والمتورمة من جراء قبضة المنشار والمسامير وضربات المطرقة، إلا أني فوجئتُ ذات مرة في يوم التنظيف الدوري بتوغل حشرة الرّمة التي أتلفت جزءاً عميقاً من جوف مكتبتي، بدأت تزحف وتتغذى على المكتبة مهددة سلامة الكتب وصحة الرفوف، تنهد أبي وبدت غيمة الحزن في عينيه: «الأخشاب تغيرت، الزمان كله تغيّر» أكل الزمن من خشب الشباب، بات أبي يشتكي من ألم المفاصل، لن يعود إلى النجارة، ولن يصنع لي مكتبة ثانية، صار محتماً عليّ أن أقرر التخلي عن مكتبتي الغالية، برعمي النفيس، وتجهيز مكتبة جديدة ذات قابلية أوسع لاحتواء مستقبل الكتب، وجديرة بالكتب المضافة عبر الزمن.

الكتب الأكثر تأثيراً

وبالنسبة لنوعية الكتب الأكثر تأثيراً فيها قالت المنصوري أميل إلى كتب الرحلات وسيرة المكان والملاحم، وكثيرة هي الكتب المؤثرة في هذا المجال، والتي تبتكر لنا مساراً مختصراً لفهم واستيعاب تفاصيل الأمكنة وملامح الأحداث عبر اختزال المرئيات والملاحم والمدونات، تمتزج بنا ونمضي معها لنتجاوز الأشكال المؤطرة في تتابع وإبحار آسر، وكان لتلك الكتب تأثير عميق في ارتقائي مؤخراً إلى فضاءات الكتابة عن المكان وسرد الرحلة، سواء كان ذلك التأثير منساباً عبر مقالاتي البحثية أو عبر السرد القصصي والروائي، وبرز ذلك في روايتي الأخيرة «قوس الرمل»، ومن تلك الكتب: «إنجيل سومر» للمؤرخ والباحث العراقي خزعل الماجدي، إضافة إلى كتاب «رحلة إلى الصير» للكاتب والباحث الإماراتي أحمد راشد ثاني رحمه الله، و«سوقطرى.. جزيرة الأساطير» لفيتالي ناومكين، ورواية «داغستان بلدي» للشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف، و «ابن سينا.. الطريق إلى أصفهان» لجلبريت سينويه، و«بيوغرافيا الجوع» لأميلي نوثومب.
وتابعت: تنقسم مكتبتي البسيطة إلى ثلاث مكتبات متوسطة الحجم، وكان الأدب والفنون والقصص والروايات والشعر والدراسات النقدية من نصيب المكتبة اليمنى، إضافة إلى المجلّدات الأدبية التي تحوي النحو والصرف وفقه اللغة والدراسات النقدية والبلاغية القديمة والتي كانت مرجعي الدراسي في حقول التخصص الأكاديمي في قسم الأدب العربي، مثل: الإيضاح للخطيب القزويني، زهر الآداب وثمر الألباب للقيرواني، بغية الإيضاح لعبد المتعال الصعيدي، أوضح المسالك إلى ألفية بن مالك لابن هشام وغيرها الكثير، أما الركن الأيسر فيحوي كتباً في التراث والأنثربولوجيا والأساطير والحكايات الشعبية وأدب الرحلات المتنوعة والملاحم القديمة، وكتباً أخرى في الفكر الصوفي والفلسفي والروحانيات والسيرة والماورائيات، أما القسم الثالث والأوسط فيحوي رفوف مجلات ودوريات في التراث والأدب والفنون وكتباً للأسرة والصحافة والإعلام، إضافة إلى معاجم وقواميس لغوية، وقواميس فلكية وعلمية تكنولوجية خاصة بوالدي حفظه الله، وقد أهداها إلى مكتبتي رغم تباين اهتماماتنا القرائية إلا أنها تعد الإرث العزيز والأغلى على نفسي من بين مجاميع الكتب.

كما تحوي هذه المكتبة شهادات التقدير والمشاركات والدروع التذكارية والتقديرية وهدايا الأصدقاء، ولا يمكنني أن أصنف ما أملك ضمن الكتب النادرة ولا أملك مخطوطات قديمة حتى الآن وبإمكاني القول «إني أملك كتباً تراثية وميثيولوجية وروايات باتت نادرة».

قلب وروح

ومن أبرز الكتب كما تؤكد المنصوري، تلك الكتب التي لها قصة وتلك المهداة من الأصدقاء، فلكل كتاب هدية من قلب وروح، ولعل أجمل قصة كانت دهشتها مع رواية صديقها حسين المحروس، وهو روائي من البحرين، جاءت روايته تحت عنوان «سمَاهوي» وكم تعجبتُ للتوارد والتقاطع المثير للرواية ومسار روايتها «آخر نساء لنجة» إنها رواية الغياب والهجرة التي أحست بأنها كتبتها في زمن بعيد تجهله، الروح التي تسبح في خليجها الجمالي والتاريخي والسيريّ واللغوي تكاد تشبه إلى حد بعيد متخيلها ومغامرتها وقلقها.
كثيرة هي الكتب التي لامست جزءاً عميقاً بداخلنا ومنحتنا فرصة تحوير مفاهيم وأفكار كثيرة عبأت رؤوسنا بفعل الموروث والمعتقدات والعادات ورواسب الظروف، كان من أبرز تلك الكتب كما تؤكد المنصوري «التناغم القدري» للدكتور ديباك شوبرا، و«صوت الصمت» لهيلينا بلافاتسكي، و«هل قرأنا القرآن» للفيلسوف والمفكر يوسف الصديق، و«شؤم الفلسفة» للمفكر الكويتي الشاب عقيل يوسف عيدان، كما لديها مكتبة صوتية خاصة فقط بالموسيقى والعازفين، ولا تعتمد المنصوري كثيراً على الكتب الإلكترونية في القراءة الحرة، لكنها لجأت إلى بعضها أثناء دراستها لمساق الإعلام، وذلك لتعزيز محتوى بحثها ومشروع المناقشة، وكانت ترتكز على موضوعات ذات صلة بأسرار النفس البشرية ومستويات التفكير والخطابة والإلقاء وطبقات الصوت ومخارج الحروف ومنازل الكلام.
وبالنسبة للكتب المترجمة تقول المنصوري «أميل إلى شرق آسيا وأوروبا الشرقية وشغفي بهذه البلدان لا يمكن وصفه، الكتب المترجمة عن اليابانية والصينية والكورية والهندية والفارسية والروسية الشرقية والأدب السوفييتي، ومن شرق آسيا: أحب أن أقرأ لهاروكي موركامي، ومويان، أما عن الهندية، فأميل إلى القراءات الصوفية والتعاليم الروحية والشعرية وروايات الاستنارة مثل طاغور وأوشو وفلسفة حضارة الهند والأديان والحب، وأقرأ في التراث الفارسي القصصي والحكائي وأتماهى مع عوالم صادق هدايات والقاص جعفر صادقي والشاعرة فروغ فرخزاد، أما من روسيا الشرقية فشاعري هو رسول حمزاتوف وشعراء القوقاز وأحب أن أقرأ ليو تولستوي ودوستوفسكي وألكسندر بوشكين، نيقولاي غوغل، أنطون تشيخوف، آنا أخماتوفا، وزوران جيفكوفيتش، أما عن الأدب اللاتيني فمكتبتي تحوي عدداً لا بأس به من المؤلفات المترجمة في الأدب اللاتيني ومن مجاميع قصصية أو بحوث ودراسات، وأميل إلى قراءة ساراماغو وإيزابيل الليندي وأغستو مونتيروسو، وكافكا من الأدب الألماني.
وعن مؤلفاتها تقول: هي 6 إصدارات متفرقة ما بين القصة والرواية والنثر الفني، وكان السبق للنثر الفني المتمثل في كتاب«ممشى الضباب» الصادر عن وزارة الثقافة وتنمية المعرفة، و«الفضاءات البكر»عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، أما القصة فيحوي الرف مجموعتين قصصيتين«القرية التي تنام في جيبي» وصدرت عن دار كتّاب، ومجموعة «قبر تحت رأسي» عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، وبالنسبة إلى السرد في عالم الرواية فقد كتبت رواية «آخر نساء لنجة» و«خرجنا من ضلع جبل» وصدرت عن الدار العربية للعلوم ناشرون.

مقتنيات أخرى

عددت المنصوري قائمة أخرى من مقتنياتها حيث تقول «لدي كتب أعتز جداً باقتنائها في مكتبتي منها مجلّد «زايد بن سلطان آل نهيان..القائد والمسيرة» وهي موسوعة ألفها المؤرخ المصري حمدي تمام، وقد انتقلت من مكتبة الوالد إلى مكتبة بيتي الخاص، يلخص الكتاب من هو المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه؟، ومن أين جاء؟، كيف بدأت خطوات المسيرة؟، ويجيب عن أسئلة كثيرة قد تدور في خلد الجيل المعاصر، إضافة إلى كتاب «سبز آباد ورجال الدولة البهية» لمي محمد آل خليفة رئيسة هيئة البحرين للثقافة والآثار، وهو كتاب ثري وغني بالأحداث والوثائق التي تحكي تاريخ الخليج وبالذات البحرين بدءاً من القرن السابع عشر عام 1600م وعندما قام مجموعة من التجار الإنجليز بتأسيس شركة تجارية تهدف إلى بيع بضائع الهند والشرق وتبادل التجارة مع بريطانيا، وسبز آباد تعني (البقعة الخضراء) وهي تسمية فارسية أطلقها المقيم البريطاني فيلكس جونز.
وأوضحت المنصوري أن بعض الكتب تفرض على القارئ قراءتها مرات عدة مثل «حكمة الرمال» للشاعر والفيلسوف الهندي أوشو، في كل مرة أقرأه أكتشف بأنها المرة الأولى التي أعبر فيها مجازاته، ففي كل مرة تنفتح لي إشارة ويتبدد لي شك، وكأنه لم يسبق لي أن قرأته، كتاب ذو قيمة استثنائية يحكي بصوت خافت وإشارات هادئة قصة الإرادة ومعنى أن يصير الإنسان مريداً ومحباً ومتأملاً وأساسياً في الاتحاد مع الوجود والالتحام بأسراره العميقة.

You may also like...