مكتبة يوسف الحسن.. قصة علاقة روحية مع «خير جليس»

367515_943610

حوار: علاء الدين محمود

يعتبر الدكتور يوسف الحسن واحداً من كبار المثقفين في دولة الإمارات العربية المتحدة، ويحوز على كثير من المعارف التي تجمع ما بين الثقافة والصحافة والفكر الدبلوماسي، وقد حصل د. الحسن على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، وعمل في السلك الدبلوماسي منذ عام 1972، وقد مثّل الدولة في العديد من المؤتمرات والندوات الإقليمية والدولية، واجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، ومنظمة المؤتمر الإسلامي، كما أشرف على تنظيم الندوة الدبلوماسية السنوية التي تنظمها وزارة الخارجية بالإمارات منذ عام 1986، ومن داخل عمله الدبلوماسي مارس كذلك الصحافة عندما رأس تحرير مجلة الدبلوماسي، وتعرفه الأوساط الثقافية مشاركاً وفاعلاً في نشاطاتها المختلفة محلياً، حيث إنه عضو في عدة جمعيات ومنظمات ثقافية، وكذلك في الخارج حيث كانت له مشاركاته العديدة.
ود. الحسن من مؤسسي صحيفة الخليج الإماراتية، وشغل منصب أول رئيس تحرير لها، وهو كذلك باحث مختص في العلاقات الدولية، وقضايا الصراع العربي الصهيوني، والحوار بين الحضارات، وأمن الخليج العربي، وقد صدر له العديد من المؤلفات فهو صاحب إنتاج فكري غزير، وصاحب تجربة ثرية مشهود لها.
شارك د. الحسن في نقاشات متنوعة ذات صلة بالحوار بين الأديان والثقافات والحضارات، وله مشروعه الفكري في مفهوم التسامح، برؤية عصرية إنسانية، واكتسب خبرة معرفيةعميقة، بحكم خلفيته الثقافية والدبلوماسية الطويلة (38 عاماً) وإدارته أول معهد دبلوماسي في الدولة، وبنائه شبكة واسعة من العلاقات مع مراكز البحوث والنخب الثقافية عربياً ودولياً. أصدر د. الحسن حتى الآن أكثر من 35 كتاباً، فضلاً عن المئات من الأبحاث والمقالات.

في هذا الحوار يسرد د. الحسن الكثير من التفاصيل المفيدة حول علاقته بالكتاب والمكتبة، وتفاصيل عشقه للقراءة.

عشق الكتاب

%d9%85%d9%83%d8%aa%d8%a8%d8%a9-%d9%8a%d9%88%d8%b3%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%b3%d9%86-%d9%82%d8%b5%d8%a9-%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a9-%d8%b1%d9%88%d8%ad%d9%8a%d8%a9-%d9%85%d8%b9-%d8%aeفي البدء تحدث د. الحسن حول علاقته بالكتاب والقراءة وما تعنيه له حيث قال: «إنه والكتاب عاشقان، منذ وقت مبكّر من العمر، فهو قد عشق القراءة منذ مرحلة الدراسة الثانوية، وفتح الكتاب أمامه أبواباً ومغارات ساحرة، وعوالم للتفكر في خلق الله والكون والنفس والتطور البشري، وفلسفة الحياة والمحبة وفسحة الأمل، والصراع والوئام والشقاء والسعادة…إلخ، وقد أوغل الحسن في القراءة والدلالات والحكمة فيها، لعله يهتدي ويكتشف روح الآخر، وما زالت في ذاكرته لغة وحوارات وعلامات، وكتب لنجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس، والمنفلوطي، وطه حسين، والعقاد، وجبران خليل جبران، وعبد الرحمن منيف، وغيرهم الكثير، وبعض هذه الكتب إما مترجماً لسارتر، وهوجو، وتولستوي، وهيمنجواي، وغيرهم.

تأسيس المكتبة

حول كيف تأسست مكتبته، يقول د. الحسن: «أثناء الدراسة الجامعية، تولد لدي التفكير في تأسيس نواة مكتبة، وهو ما كنت أعطيه أولوية عند كل رحيل من منزل إلى آخر، ومن بلد إلى آخر، ويقول: «ما أكثر الضيق في المكان، وفي الترحال، وفي تخزين الكتب وليس غيرها» ولكن في واشنطن، في ثمانينات القرن الماضي، تمكن د. الحسن من تخصيص حجرة للمكتبة في المنزل، خصصها للكتب والمراجع والوثائق، زادت فيها جرعة السياسة والفكر وجدل الحضارات، وتراجعت مساحة الآداب وحقولها، فانشغل بقراءات مكثفة للمجتمع والنظام السياسي الأميركي، وأنتجت هذه القراءات، تأليف 4 كتب في الشؤون الأمريكية والدبلوماسية.
في مكتبته اليوم، أكثر من 5 آلاف كتاب، ولها فروع «مكتبات» صغيرة في صالات المعيشة وغرف النوم، وفي صناديق كرتونية، وفي المكتبة يمضي الحسن نحو 6 ساعات يومياً للقراءة والكتابة، غير أن الكتابة سرقت أكثر الوقت، حيث يمضي وقتاً طويلاً في كتابة المقال أو البحث أو التحضير لمحاضرة ومناقشة، أو استكمال مشروع كتاب جديد.
يرى الحسن أن سرعة التحولات والأحداث الجارية غير المسبوقة، أفقدتنا حلاوة وروعة قراءة رواية جديدة، ويقول: «إن كثيراً من الكتب والقصص تتكدس بجواره، يحمل بعضها معه عند السفر الطويل للقراءة»، وفي تجواله مؤخراً اصطحب الحسن معه رواية «قواعد العشق الأربعون»، للكاتبة التركية إليف شافاق، وكتاب محمد شحرور «قراءة معاصرة للقصص القرآني».
وحول ماذا يقرأ الآن يقول الحسن: «أقرأ كثيراً هذه الأيام في قضايا تجديد الخطاب الديني، وجدلية الدين والتنوير، وفلسفة التسامح، وصراع الهويات، كما أقوم بفحص أبعاد كتابات ودراسات تتحدث عن خرائط جديدة للوطن العربي»، ويضيف: أقوم أيضاً بمراجعة كتاب كنت قد قرأته قبل سنوات لنسيم طالب اسمه «البجعة السوداء»، تحدث فيه مؤلفه عن تداعيات الأحداث غير المتوقعة، والتفكير فيما لا يفكر فيه، ويتمنى د. الحسن على كل مسؤول عربي أن يقرأه.
وفي بعض الأحيان يستعيد الدبلوماسي والمفكر د. الحسن شعر محمود درويش، وأحمد مطر، والمتنبي، ويقرأ ليوسف زيدان، وعلاء الأسواني، وأمين معلوف، ولعلماء سياسة وعلاقات دولية، وفلسفة ولاهوت، كما يغوص في كتابات أفضل مؤرخ لتاريخ المنطقة، وهو صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، كصاحب مشروع ثقافي نهضوي، وينشغل بكتابات تؤصل للهوية الوطنية المنشودة، وتفسر للأجيال القادمة، مرحلة ما قبل إنشاء الدولة، من معاناة وصبر ودروس مستفادة وإرادة سياسية واعية.

تجارب وأفكار

يطوف بنا الحسن في سرد جميل على رفوف مكتبته، يقول: «.. فيها تجارب وأفكار وسير واعترافات ودروس وحكمة، من أوعية مختلفة، وفيها متع روحية وفكرية وأحزان وأفراح، وكأنها رموز لشخصيات كبار، وعقول ناضجة ومبدعة، تجلس ورائي وبجواري وأمامي، تدعوني للحوار معها، وفيها كتاب تاريخ الجبرتي، طبعة عمرها نحو سبعين عاماً، ويوميات كتبها الجبرتي في أواخر القرن السابع عشر، يعرض فيها تاريخ مصر، وفيها كتب تراثية وتاريخية وأدبية وسياسية، وفيها من تاريخ الخليج، والاستشراق، والمنظمات الدولية، والفلسفة، وفيها رائعة تولستوي «الحرب والسلام»، وإيمانويل كانط، وإسبينوزا، ودوستويفسكي، وجوديت بتلر، والعقاد، وزكي نجيب محمود، ومحمد أركون، وغيرهم الكثير.
يضيف د. الحسن: في مكتبتي كتب وروايات ودواوين شعر لأصدقاء، وأطروحات دكتوراه عديدة، ومراجع قانونية ولغوية ودينية، ومؤلفات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وسلسلة عالم المعرفة، وكتب مركز دراسات الوحدة العربية، ومنتدى الفكر العربي، والمجمع الثقافي سابقاً، ومشروع كلمة؛ وكلاسيكيات من الأدب العربي والعالمي، وغيرها.

عطر المعرفة

ويأخذنا الحسن مرة أخرى في رحلة وصفية حول: كيف تأخذ الكتب مكانها في مكتبته، فهو يقسمها إلى رفوف، منها ما هو متعلق بالخليج، ومنها ما هو مخصص للقضية الفلسطينية، وأخرى للحضارات والحوار واللاهوت والأديان والمعتقدات، ورف آخر لمؤلفاته التي وصلت إلى 35 مؤلفاً، آخرها صدر عن اتحاد أدباء وكتّاب الإمارات بعنوان «المضحكات المبكيات في زمن التحولات».
وعما يشغله هذه الأيام يقول: «تشغلني أسئلة القيم وفلسفة التسامح في عالمنا المعاصر، وبخاصة في مجتمعاتنا، كما ننشغل جميعاً بالتفكر في المصير العربي، في ظل اللايقين والفوضى، نفكر ونحن نشاهد شاشات الفضائيات ترشح بالدم والدمار، لا وقت لترف ومتعة القراءة، والاستلقاء على أريكة، ننشغل بالنقر على مفاتيح الكمبيوتر، تصدمنا الثرثرة، نبحث في عالم الأفكار عن صحة الأفكار ذاتها، ينقذنا كتاب، وتسعدنا دعوة «الإمارات تقرأ»»، ويأخذنا الحديث معه في سياق المبادرة الكبيرة «عام القراءة» إلى تأملاته المتعمقة في الرسالتين المتبادلتين بين صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وباولو كويلو، بمناسبة مبادرة «تحدي القراءة» المدهشة، وكيف نبحر باتجاه المستقبل، ونركب سفن المعرفة، بأشرعة تدفعها رياح القراءة.. نقرأ ونكتب، أو نقرأ لنكتب، وللتمعن في أسرار الذات والحياة، ولإثارة الأسئلة، نتمسك بالأمل، ونقبض على «تفاؤل» صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بإرادة التحدي، ونستحضر تاريخنا العربي في القراءة والكلمة والعلوم وطلب الحكمة من أي وعاء خرجت،…نعم يا كويلو، «القراءة هي عطر المعرفة».

35 مؤلفاً

نتجول مع د. الحسن عن بعض مقتنيات المكتبة، فنخرج منها بحصيلة في الدبلوماسية والأدب والثقافة، وهي الحقول المعرفية التي يشتغل عليها المفكر الإماراتي الكبير، ومن تلك المؤلفات: الحركة الأصولية في أمريكا، الحوار الإسلامي المسيحي، مستقبل دولة الرفاهية في الخليج، التنمية الثقافية والسياسية في الإمارات، أية ثقافة، أي مواطن نريد في المستقبل، منظومة القيم بين الشباب، النظام السياسي والسياسة الخارجية في الإمارات، نحو دبلوماسية عربية معاصرة، زفرات عربي حزين، غطيني يا صفية، ذاكرة الأمكنة، أسئلة الهوية والتسامح وثقافة الحوار، ومن مؤلفاته أيضاً مجموعة من القصص القصيرة بعنوان «اعتذار إلى البحر»، كما نشر جزأين لكتاب أدبي ساخر بعنوان «حدثني صامت بن غلبان»، من مشروعاته المستقبلية، كتاب، حول قلق الهوية الوطنية في الخليج، وكتاب آخر، حول تجربته الدبلوماسية، ويعكف حالياً على كتابة بحث يؤصل لفلسفة وفقه التسامح ويسعى كثيراً إلى رفع النقاش العام حول سؤال ماذا نقرأ؟ وكيف نقرأ؟ في أزمنة التحولات، التقنية والمعلوماتية وغلبة الصورة والانطباعية، والضآلة الفكرية، وكثرة الطلاسم السياسية في عالمنا، وانتشار الجلبة المظللة التي تجهز على ما تبقى من موضوعية الرأي، وقدسية الكلمة، ويقول د. الحسن: «أتطلع في عيون أحفادي، وأشفق عليهم، أي كتاب سيقرؤون؟ وكيف تسربت لغتنا العربية من بين أصابعهم ومن حواراتهم»، ويذهب بنا في رحلته مع رواية «داغستان بلدي» لرسول حمزاتوف، وهي من الكتب التي قرأها مؤخراً، وينقل لنا بعضاً من أقوال حمزاتوف التي وردت في مذكراته: «سمعت ذات يوم وأنا في الغربة، وقع لغتي الأم (اللغة الآفارية الداغستانية) غائماً، فانتعشت، وأدركت وقتها أن من يشفيني ليس الطبيب، بل لغتي الأم، قد تشفي بعضهم لغة أخرى، لكني لا أستطيع أن أغني بها، وإذا كانت لغتي ستضمحل غداً، فأنا مستعد أن أموت اليوم…»… ويعلق: «حين يبلغ حفيدي مرحلة الفهم، فهل سيقرأ كتبي مترجمة؟!!».

طقوس القراءة

حول الطقوس التي يمارسها أثناء القراءة والكتابة يقول الحسن: «إن للقراءة طقوساً، لكنّ للكتابة طقوساً مغايرة، فأنا في القراءة، أميل إلى الهدوء والوحدة، وأسارع أحياناً إلى تسجيل الملاحظات، أما الكتابة ففيها الكثير من الإجهاد والبحث، وفحص الفكرة وتمعن الدلالات، وخلالها أميل إلى سماع موسيقى ناعمة، أو صوت فيروز، وفي كتابة المقال السياسي أو الفكري، أمضي أياماً والفكرة تطبخ في رأسي، قبل أن أبدأ بالكتابة».
يتذكر الحسن القراءات الأولى لكتب كان لها بريقها في بدايات العلاقة مع القراءة، مثل كتب المنفلوطي، وكذلك أول رواية قرأها وهي «في بيتنا رجل» لإحسان عبد القدوس، ويذكر أشعار سعيد عقل، ومن الروايات المترجمة كانت هنالك رواية «العجوز والبحر» لهمنجواي، و«البؤساء» لفيكتور هوجو، وكذلك يذكر رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل، وأيضاً كلاسيكيات الأدب العربي مثل: «الإمتاع والمؤانسة» وهو موجود في مكتبته.
وتنفتح أمام د. الحسن أبواب للتعرف إلى أدب أمين معلوف ورواياته التي بناها على روايات تاريخية مثل «سمرقند» و«ليون الإفريقي» وفي مجال التاريخ يقرأ الحسن لكمال صليبي، وكذلك محمد عابد الجابري في مجال الفكر وبنية العقل السياسي العربي، ونقده للتراث وقراءاته له، ويقول: «إن أفضل ما قرأته في مجال الفنون وأعتبره مرجعاً، هو ما نشره ثروت عكاشة حول فنون عصر النهضة، وهي الكتابات التي فتحت أمامي أبواب المعرفة بفنون أوروبا، التي شكلت نهضة فنية شاملة».

 

You may also like...

1 Response

  1. يقول د. زياد الزعبي:

    استطيع ان ادعي انني قرأت غالبية ان لم يكن كل ما كتب الدكتور يوسف الحسن صاحب الثقافه الواسعه والممتده . اجد في قراءة كتاباته متعة ما بعها متعة لسلاسة الأسلوب وتبسيطه للمعقد ولكن وجعه الوطني والقومي الذي ينقله لنا بأسلوب يجمع بين الجد والسخريه وعمق المعرفه والتجربه يجعل من قارىء كتبه ومقالاته مدمنا عليها وخارجا بحصيلة من المعرفه والمتعه اطال الله في عمر كاتبنا أبا احمد