«موت في فلورنسا».. الصراع على روح النهضة

%d9%85%d9%88%d8%aa-%d9%81%d9%8a-%d9%81%d9%84%d9%88%d8%b1%d9%86%d8%b3%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d8%b1%d8%a7%d8%b9-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%b1%d9%88%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%87%d8%b6%d8%a9

الشارقة: محمد ولد محمد سالم

تتربع رواية «موت في فلورنسا، أسرة مديتشي وسافونارولا، والصراع على روح النهضة» من تأليف: بول ستراثيرن، وترجمة: ناصر مصطفى أبو الهيجاء على واجهة جناح هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، وهو الكتاب الصادر عن مشروع كلمة للترجمة التابع للهيئة، ويتقصى بدايات عصر النهضة الفنية في أوروبا، التي انطلقت من مدينة فلورنسا الإيطالية في القرن الخامس عشر، متناولاً دور أسرة «ميديتشي» في رعاية الفن والفنانين من أمثال بوتيتشيلي ومايكل أنجلو، وقد شكلت هذه الأسرة ومن التف حولها من أدباء ومفكرين الروح الإنسانية الجديدة في أوروبا.
ويسلط المؤلف الضوء على الصراع الذي شهدته المدينة في نهاية القرن الخامس عشر، وقد كان قطباه لورينزو ميديتشي العظيم حاكم فلورنسا، والراهب جيرومولا سافونارولا الأصولي المتمسك بمقولات العهد القديم، وكان لورينزو العظيم قد اكتسب لقبه من حدة ذكائه وحكمته وصرامته وتسامحه في الوقت نفسه، ودهائه، وجاذبية شخصيته، فقد اجتمعت له خصال نادرة، جعلته يلقب بالعظيم، وكان على عكس حكام ذلك العصر الاستبداديين الجائرين، حاكماً متسامحاً جعل من فلورنسا جمهورية ديمقراطية يفاخر بها مواطنوها، فهي الجمهورية الوحيدة التي امتلك فيها أهلها آنئذٍ كلمة في حكومتهم، في حين أن المدن الأخرى كانت تخضع لحكام طغاة كبتوا الحريات، وقد قرب لورينزو الفنانين والمفكرين والفلاسفة، وتبنى الروح العلمانية الحديثة، في وقت كانت فيه الحضارة الغربية تختبر تحولاً عميقاً، باكتشاف الأمريكتين ومجاهل آسيا، واتساع الرؤى الفكرية للمفكرين الأوروبيين، وبدء انسلاخهم من الأفكار القروسطية، ومع ذلك فقد مهد لورينزو بدهاء لتكريس حكم أسرته على فلورنسا واستبدادها بها دون غيرها.
أما جيرومو سافونارولا، فهو راهب صارم في سلوكه متمسك بمقولات العهد القديم، وكانت عظاته مشحونة بالعاطفة الأصولية، وقد كان ذا شخصية قوية ومؤثرة، ولم يرض عن توجهات لورينزو العظيم، ورعايته لأصحاب الأفكار الجديدة، التي رأى فيها ضلالاً، وغرس سافونارولا في أذهان الفلورنسيين أن من واجبهم تكريس أنفسهم للحياة الروحية، ولا يهدرونها في سفاسف الحياة الدنيا وشهواتها، ودعا إلى إقامة جمهورية بسيطة وطاهرة تخشى الرب وتتقيه، حيث لا يحتاج المرء غير كفافه ليحيا حياة مكرسة للعلي القدير، واشتدت دعوته قوة بعد موت لورينزو، وعلى الرغم من أن نظرة سافونارولا كانت في الأساس نظرة قروسطية، فإن ذمه السلطات الفاسدة مهد أفكاره على نحو غير متوقع الطريق نحو نزعة المساواة التي هي في جوهرها نظرة حديثة، وستثبت الجمهورية المبنية على رؤية سافونارولا تفوقها على سواها من الجمهوريات التي عرفتها فلورنسا ديمقراطية وانفتاحاً، لكن الرواية توضح أنها كانت أيضاً الأكثر قمعاً ووحشية في تاريخ فلورنسا.

تعج الرواية بالأحداث المتوالية التي تصور ذلك الصراع وتتقصى صور الحياة السائدة في فلورنسا، ومظاهر التغير التي بدأت تسري إليها، وما يستتبعها من مظاهر التغير في الممارسة الإنسانية، والمشاعر، بين القبول والرفض، والانغماس والتردد، كما تصور أجواء الفن والثقافة السائدة فيها في ذلك العصر، وكيف كان الأدباء الفنانون يصابون بالإحباط بسبب وقوف سافونارولا في وجوههم، والقوانين الصارمة التي سنها ضدهم.
كاتب الرواية هو البريطاني بول ستراثيرن الكاتب والمحاضر في الفلسفة والرياضيات، والحائز على جائزة «سومرست موم» في الرواية، فضلاً عن كونه مؤلفاً لخمس روايات وسلسلة فلسفية شهيرة أطلق عليها «الفلاسفة 90 دقيقة»، وقد ترجمت كتبه إلى اثنتي عشرة لغة ولقيت إقبالاً عالمياً مشهوداً.

You may also like...