نبيل سليمان: الإمارات تضاعف شغف القراءة

%d9%86%d8%a8%d9%8a%d9%84-%d8%b3%d9%84%d9%8a%d9%85%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a5%d9%85%d8%a7%d8%b1%d8%a7%d8%aa-%d8%aa%d8%b6%d8%a7%d8%b9%d9%81-%d8%b4%d8%ba%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1

الشارقة: محمدو لحبيب
رغم أعوامه السبعين ما زال يثبت أن العمر مجرد رقم ، وأن إرادته في الحياة بالكتابة والكتابة للحياة أقوى من عاديات الزمن، لم يراوح في المكان لأن المراوحة في المكان تعني بالنسبة له الجمود، لكن مع ذلك يختلف نوع التحرك وشكله عنده، ورغم إكراهات المنع والمصادرة وطغيان صوت السلاح والتكفير في بلده سوريا، ما زال صوته مصراً على المحافظة على ألقه متحدياً سيرورة الوقت كأنه طائر الفينيق .
الحوار مع الكاتب والروائي نبيل سليمان له تجلياته الخاصة ، فالتخييل الروائي عنده أهم من المعرفة، والمكان عنده ليس مجرد جغرافيا، بل يكاد يشكل نصا ثالثا داخل النص ونصه الموازي.

«الخليج» التقته في ردهات معرض الشارقة الدولي للكتاب، وحاورته عن أهم محطاته الروائية، وعن علاقته ب «الرقة» المختطفة من قبل تنظيم «داعش» الإرهابي، وعن الجرح السوري النازف حتى الآن، وعن بعض الإشكاليات النقدية المتعلقة بالسرد الروائي، وشغف القراءة.
يتزامن الوجع غالباً مع رحلة السرد، ويصنع مساره التراجيدي، فتتألق الحكاية برغم نزيفها الظاهر، روايتكم «ليل العالم»، تكاد تكون نموذجا مكتملا لهذا التوصيف، هلا حدثتمونا عن تجربة كتابة تلك الرواية، ولماذا اخترتم الكتابة عن حدثٍ آنٍ تكاد تنعدم معه إمكانية التخييل؟
عشت في شمال سوريا الشرقي شطراً من طفولتي وأظنه أكسبني التوله بذلك الفضاء، ودخلت الرقة أول مرة في خريف 1967 مثقلا بوقع الهزيمة العربية في تلك السنة، وعملت فيها مدرسا ومديرا لثانوية خمس سنوات، وفي رواية «ليل العالم» ظلال محورة لهذه السيرة.
وسمت الرقة روحي حتى هذا اليوم ولم تنقطع صلتي الحميمة بها حتى يومها الداعشي هذا، وقد حاولت مرارا طوال أربعين سنة أن أكتب رواية عن الرقة لكنني عجزت، حتى إذا اشتعلت الحرب في سوريا، وكان في الرقة ما كان نادتني الرواية : هيا، اكتب.
الآن، وبعد أكثر من سنة على كتابة «ليل العالم» أرى كم كانت كتابة هذه الرواية مسكونة أو مهجوسة بكل ما تعيشه سوريا منذ 2011 بصورة خاصة، ومنذ 1967 بصورة عامة، إنها التراجيديا حقا، إنها النزيف السوري والعربي طوال نصف قرن، وكما عنونت ببعضها رواية «هزائم مبكرة» عام 1967، ها هي الهزائم المتأخرة والمبكرة معاً في هذا الذي يعصف بنا وبالعالم كله .
و يصح القول هنا: إن الواقع أغنى من كل خيال، ولكن ليس للكاتب أو الفنان أو العالم أن ينسى لحظة مقولة آنشتاين: «إن الخيال أهم من المعرفة»، وبالتالي تبرز قيمة التخييل الروائي هنا مهما تكن الوقائع المذهلة أو التي لا تصدق في عاصمة البغدادي في الرقة وأخواتها في سوريا أو العراق أو ليبيا.
الرواية مكتوبة عن الرقة وللرقة ثقلها التاريخي، وأنت تنتمي بطريقة ما للرقة ، كيف تقيم نقديا علاقة الكاتب بالمكان كعنصر هام في تكامل بنية سرده؟
المكان عنصر أساسي في التكوين الروحي والبنية النفسية للإنسان، وليس فقط في تكامل بنية ما يسرده الكاتب، وعن نفسي أدرك جيدا كم كونتني الرقة، وكم كونتني أيضا أمكنة أخرى عديدة، داخل سوريا وخارجها عشت فيها سنوات وأياما.
ليس المكان جغرافيا فقط، وعلاقتي بالمكان ليست سياحة فقط، المكان زمان أيضا، والمكان إحساس عميق بالطبيعة وبالتاريخ وبالبشر، لذلك هو جبلة من الذكريات والأفكار، ولذلك هو أسّ مكيف للسرد الروائي.
قبل الرقة كانت عاموده والدرباسية في الشمال السوري، وكانت قبور البيض والعضاميه من نفس الشمال، ثم كان ما كان في عين ظاط من ريف حمص وفي حمص وتل كلخ والدريكيش وطرطوس واللاذقية وقرية البودي وحلب، لكن الرقة ظلت ذلك المكان الذي تحدث عنه باشلار، وها أنا أعيش يوما بيوم بانتظار العودة إلى الرقة، واليوم الذي ستتحرر فيه الرقة من داعش ومن أشباه داعش فهل سيطول الانتظار؟
في روايتكم «مدائن الأرجوان» قدمتم استهلالا رمزيا للشاعر الفرنسي أراغون وهو «ذات مساء جميل كان يدعى فيه المستقبل ماضيا»، كيف ترون الحاضر السوري وفق هذا الاستدلال؟
– تعود «مدائن الأرجوان» إلى سبعينات وثمانينات القرن الماضي في سوريا، لكن العودة تأتي على إيقاع زمن الكتابة منذ سنوات قليلة، وحيث كان الماضي قد أخذ يتشكل كمستقبل، أقصد أن الاستبداد والديكتاتورية والعنف والصراع المسلح والتعصب مما عاشته سوريا وغيرها منذ عقود يبدو كأنه هو المستقبل، وها هي السنوات القليلة الماضية تثبت هذه الرؤية غير التشاؤمية كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل هي الرؤية (الواقعية) إن صح التعبير والتي لا بد منها من أجل تجاوز هذا الماضي المستقبل ، إلى أفق الحلم بالحرية والعدالة.
اعتمدت في روايتكم «درج الليل.. درج النهار» على تجاوز النمط الدرامي للحكاية نحو بناء الرواية على الحركة، هذا يقودنا إلى السؤال عن تطور بنية السرد العربي وكيف تقيمون ذلك التطور؟
يتعلق الأمر في الرواية ، بانهيار سد زيزون وسط سوريا، وما جر ذلك على البشر والقرى والمزارع و..، مما استدعى بناء روائيا مختلفا، بناء سرديا ولغويا غير تقليدي، لذلك تدفقت فصول كثيرة في الرواية تدفقا.
بالأحرى جاءت كدفقة واحدة، كسبيكة واحدة، ومثل هذا الصنيع هو علامة من علامات تطور السرد العربي ، سبق إليه في حدود ما أعلم الروائي صنع الله إبراهيم في رواية «نجمة أغسطس» في عام 1974، وتعلق الأمر في تلك الرواية بالسد العالي، وربما كانت الملاحظة البالغة الأهمية هنا، هي أن «نجمة أغسطس» كتبت بناء سد ، بينما كتبت «درج الليل..درج النهار» انهيار سد، وعلى رأس من مارسوا وتألقوا في كتابة السبيكة اللغوية يأتي إدوارد الخراط.
وقد عرفت بنية السرد العربي عبر تاريخها ووصولا إلى حاضرها، الكثير من التنوع والتطور، ليس ابتداء بسرديات الجاحظ أو المعري أو ألف ليلة وليلة، وليس انتهاء بما كتبه صنع الله إبراهيم أو كتبته أنا أو كتبه آخرون في الثورة الروائية الراهنة والواعدة على الرغم مما فيها من شوائب.
ألا يخشى صانعو السرد الروائي عند تحديث أشكالهم السردية أن تفقد الحكاية بعدها التشويقي، وبالتالي تخسر قارئها؟
لا يعني تحديث الأشكال الروائية بالضرورة تعقيد الحكاية ، بل قد يكون العكس في بعض الحالات، كما لا يعني التحديث بالضرورة فقدان الحكاية للبعد التشويقي ، وبالتالي خسارة القارئ.
فالقارئ ليس ذائقة واحدة، القارئ متعدد، كما أن الكتابة متعددة، والقارئ يتطور كما أن الكتابة تتطور، وإن يكن من المألوف أن يتريث القارئ أو يتردد أو يتشكك أمام التجديد الذي ينأى عن البساطة أو التشويق ، اللذين درج عليهما قراء كثر.
وقد يكون التجديد والتحديث صفريا لكن سرعان ما تصير له شعبية والعكس صحيح، ما من قاعدة (رياضيات) هنا.
كيف يمكن المحافظة على شغف القراءة الذي ميز أجيال الستينات والسبعينات والثمانينات من القرن الماضي؟
نحن بحاجة ماسة إلى مثل هذا الذي يجري في الإمارات بصدد القراءة ، فهذا الاهتمام الرسمي والمتابعة الدؤوبة والإبداع في وسائل اجتذاب القارئ وترويج القراءة ، سوف يضاعف شغف القراءة.
و نحن الآن أمام وسائل الاتصال وأمام تكنولوجيا المعرفة المتطورة ، مما لم يكن أمامنا في شبابنا ، لذلك فإن الأجيال الحالية أمام شغف جديد ومختلف بالقراءة يتناسب مع مفردات عصرها ومع محاسنه لا مساوئه.

You may also like...