هدى النعماني: المدن كائنات حية

بيروت: إسماعيل فقيه
تكتب الشاعرة هدى النعماني بحروف من ذهب، هكذا يشعر القارئ حين يدخل إلى كلماتها وكتبها وحروفها، كل كتاب أصدرته يبدو للناظر إليه، وهو كذلك، مثل تحفة فنية، من حيث الشكل والحروف الذهبية والورق الثمين الفاخر.. شاعرة متصوفة لا تحتاج إلى تعريف، إنما إلى تقديم بكلمات مثل حروفها، ويمكن تحديدها: شاعرة التجربة الصوفية الطويلة عاشت الحياة بطولها وعرضها وما زالت تعيش على وقع خطوات القلق المتزايد – الذي يؤدي إلى الطمأنينة.
شاعرة لا تشيخ، تبقى مثل الزمن، لا تتغير، باقة من الكتب الشعرية أصدرتها الشاعرة على مدى عمر ما زال يسير بسرعة هادئة، وأصدرت حديثاً كتاب مذكراتها بصيغة شعرية، حمل اسم «السير في الآخرين – قطوف من ذكريات وبروق» جمعت فيه عصارة تجربة جديدة تضاف إلى التجربة الطويلة التي عاشتها. ماذا تقول الشاعرة اليوم بعد عمر طويل مع الكتابة والتصوف، حوارها مع «الخليج» يضع النقاط على حروف شعرها وقصائدها.

لِمَ اخترت الشعر والكتابة وسيلة للتعبير عن مكنوناتك الشاعرية؟

لولا الكلمة لما كانت الحياة، الوجود حقيقة واحدة، المعلوم منها بالفعل والحسّ، لا تقبل فيه الأضداد أو الأنصاف، ولكل حقيقة ظاهر وباطن، حين تقول بناء تعني أرضاً، حين تقول أرضاً تعني وطناً، وحين تقول وطناً تعني نظاماً وحقوقاً ودستوراً وساسة.

تكتبين السياسة أيضاً.

الكتابة هي كل الكتابة، والسياسة جزء من الكتابة، ثم لا تنس أن السياسة هي فعل مهم للحياة، أولاً وأخيراً السياسة صرح ونظام.

وما الشعر بالنسبة لك؟

الشعر مغرم بالكمال بلوائح حمورابي، بالمدينة الفاضلة لأفلاطون، وبذوبان الشعر في كل جمال.

في كتابك الأخير تسألين أسئلة مقلقة وكبيرة بدلالات إيمانية واسعة، كيف تفسرين هذا التأثر، وما مصادره في حياتك وأشعارك؟

أجواء كثيرة في طفولتي كانت تجذبني، لم أخف يوماً أن الأجواء التي كانت تجذبني من طفولتي كان مصدرها الدين ومآذن دمشق وحكايات ألف ليلة وليلة، وقامات المشايخ والنور الذي كان ينبعث من وجوههم، ثم قصص عن جدي الشيخ عبد الغني النابلسي ومعجزاته.. وبيروت ومقاهيها وجلساتها، كانت تشعرني بأن هذا في حاجة إلى ذاك، خشية أزلية قديمة كانت في حاجة إلى ركيزة وهدوء، حيث الحاجة إلى قبول المبهم والبعيد، بينما الروح سابحة والكلمة تغني، تؤمل، تفرح.

ماذا عن حضور الكتابة، متى تكتب النعماني، لماذا ولمن وكيف؟

كأنك تسألني كيف ولماذا تأكلين وتشربين، لقد حملت اسمي منذ الصغر، مثل نجمة على الجبين، جئت هذه الدنيا في نقطة ما، في عصر ما، في مكان ما، بين جمع ما، لأمر ما، لم آخذ يوماً الحياة عبثاً أو لهواً، حياتي كانت جمعاً من الإضاءات والشارات، كنت بين الناس أخفي لواعج نفسي وبحثي عما يجب أن أفعل، أن أقول أن أعطي، الإنسانية هي هذا النسيج من الحرير.

كأنك متأثرة بصوفية ابن عربي أو الحلاج… بمن تأثرت النعماني؟

تأثرت بكل ما قرأت، ومنهم الحلاج وابن عربي والسموأل وابن الفارض وسواهم من المتصوفين، قرأت كثيراً، تأثرت بالوجوه، بوجوه الناس، كل الناس كل الطبقات كل الشعوب، تأثرت بالطبيعة، بالأشجار بالأنهار بالغيوم، بالطيور، الكلمات كانت لها أجنحة، ومن هذا العالم الجميل استبعدت كل كلمة جارحة قاسية ومسيئة.

لغة الحب في أشعارك تبدو مختلفة كلياً عن المفهوم المتعارف عليه. ما معنى الحب في حياتك؟

هل تصدق إذا قلت لا أعرف، صدقني لا أدري، لم أستطع أن أبني سداً بين السماء والأرض، بين الحياة والموت أول قصيدة كتبتها بصوت زنجي يسأل والده لماذا هو أسود؟

من يجسد الشعر أكثر في الحياة الشاعر أم الشاعرة؟

لكل خصوصية كطبيعة كل منهما، أرى في الشعراء منطقاً نفتقده نحن النساء، النساء أكثر ثرثرة؟ وحساسية أكثر وخوفاً وهروباً، أكثر غوصاً في البحر واقتلاع الكلمات.

ماذا تعني لك المدن خصوصاً أنك خبرت حياتها كثيراً؟

قل أجساد المدن، المدن هي أجساد حية مثل جميع المخلوقات، أين ولدت وأين ستموت قدر حتمي يوجه حياتك بكاملها. للمدن أرواح وعيون ونظرات وأرصفة وقمر وواجهات بحرية، المدن جنات على الأرض، بيروت، دمشق، القاهرة، باريس، نيويورك واشنطن لندن، إسلام أباد، الرياض، مكة، نيودلهي، مدريد، روما، الكويت..الخ.

غلب على كلماتك لغة خاصة جداً، كأنها موجهة لطبقة أو لشريحة ثقافية معينة، هل تقصدت هذه اللغة كما يتقصد الصوفي محفله النوراني؟

لكل سؤال جواب، وإذا كانت اللغة هي الجواب المؤدي إلى نورانية تتحكم بجوهر الكلام، فهذا دليل العافية الشعرية التي أتوخاها لبلوغ ليل الكلام الآخر.

النعماني الشاعرة المتصوفة إلى أين وصلت بتصوفها في زمن يسمى زمن السرعة والعجلة؟

وهل يصل المتصوف؟ وإذا وصل إلى أين يصل؟ السؤال هو الجواب، والزمن الذي تقصده بسؤالك هو خارج زمن المتصوف، ولا يمكن القياس عليه، للمتصوف زمنه ودربه وطريقة عيشه وتفكيره، ولا شيء يمنع من نزول ضوء القمر، ولا حاجز يحجب الشمس.

 

قد يعجبك ايضا ...