وباء العنصرية في الدول الأنغلوفونية

وباء العنصرية في الدول الأنغلوفونية
تأليف: مايك كول
ترجمة وعرض: نضال إبراهيم

يظن الكثير من الناس أن نظام الحياة والحكم في العالم الغربي مثالي، وخالي من انتهاكات حقوق الإنسان. إلا أن ما يظهر على السطح شيء، وما هو في الباطن أمر آخر، هذا ما يسعى مؤلف هذا الكتاب لأن يقوله تحديداً عن وباء العنصرية، ويسعى في عمله إلى تعقب إرث العنصرية في ثلاث قارات، منذ أصولها إلى الوقت الحاضر في سياق تحليل ماركسي جديد، ويربطها مع القضايا السياسية الجدلية.
محور دراسة مايك كول تحديداً هو ثلاث دول أنغلوفونية: المملكة المتحدة، وأستراليا، والولايات المتحدة الأمريكية. ويتناول في بريطانيا تأثيرات الاستعمار، وقضايا العنصرية التي لا لون لها، مثل معاداة الغجر المتنقلين، والمهاجرين من سكان أوروبا الشرقية. وفي الولايات المتحدة يتناول الإرث الثنائي فيما يتعلق بإبادة السكان الأصليين والعبودية، بالإضافة إلى استكشاف العنصرية تجاه الآسيويين واللاتينيين. وفي النهاية، يتناول أشكال العنصرية في أستراليا، وتأثيراتها المستمرة في السكان الأصليين، بالإضافة إلى أشكال أخرى عاناها سكان جزر بحر الجنوب.

كما يتعامل الكتاب مع العديد من الظواهر العنصرية فيما يتعلق بالإسلاموفوبيا في هذه الدول، حيث يحاول الكاتب أن يستعرض الشكل الحقيقي لوباء العنصرية وأوجهها المتعددة المقيتة التي تشكل الرأسمالية قاعدتها الأساسية بناء على إرث إمبريالي. والكتاب صادر حديثاً عن دار «بلوتوبرس» البريطانية في 264 صفحة من القطع المتوسط.
يبدأ الكاتب الفصل الأول من عمله بالتركيز على تاريخ العنصرية في بريطانيا، إذ يعود إلى العهد الاستعماري لها، حيث لا يزال تأثيرها قائماً حتى الآن، ويشير إلى بعض الأدبيات العنصرية في هذا السياق، وطريقة تصنيف مَن كانت تستعمرهم خاصة من الأفارقة، والسياسات الممنهجة ضدهم.
ويناقش أن معايير العنصرية في المملكة المتحدة حالياً تختلف عما كانت عليه من شكل استعماري، إذ تذهب إلى ما بعد لون البشرة، وأن هناك ثلاثة أنواع موجودة من العنصرية غير قائمة على اللون، وهي التمييز ضد الإيرلنديين، واليهود، والمجتمعات المتنقلة وغجر روما، كما يتناول ظهور شكل جديد من العنصرية ضد اللاجئين والمسلمين، وكيفية تنامي ظاهرة الإسلاموفوبيا. ويعالج في هذا الفصل أيضاً تراجع التعددية الثقافية على مستوى الدولة، ويميز بين التعددية الثقافية والمجتمعات الثقافية المتعددة.

التمييز في الولايات المتحدة

يتناول الكاتب في الفصل الثاني من عمله 500 عام من العنصرية الممنهجة في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث يبدأ من الغزو الإسباني في العام 1492، رحلة كولومبوس الأولى، والإبادة المتكررة للسكان الأصليين، وعواقب تلك الأفعال في القرن الواحد والعشرين، وتحديداً يقف عند العنصرية الموجهة ضد سكان آلاسكا الأصليين تاريخياً وفي الوقت الحاضر، ويجد أنه لكي نفهم اليوم العنصرية التي عاناها الأمريكيون الأفارقة، من الضروري معرفة العبودية وسياسات التمييز العنصري التي مورست ضدهم، ولا يجد أن العنصرية تجاه هاتين الفئتين انتهت، بل يرى أنها لا تزال قائمة حتى يومنا هذا، رغم أن الظاهر في بعض الأحيان يوحي بعكس ذلك، مشيراً إلى أن هناك غلياناً داخلياً لدى السكان الأصليين من الهنود الحمر والسود تجاه السياسات الممنهجة ضدهم، وتجلى ذلك في المجمعات الصناعية التي كانت على شكل سجون، والثانية واضحة في المدن الكبيرة بالولايات المتحدة.
كما يرى أنه لكي نفهم العنصرية الموجهة ضد اللاتينيين، من المهم أن نفهم تاريخ المكسيكيين والأمريكيين من أصول مكسيكية، ونفهم البورتركيين والأمريكيين من أصول بورتركية.
كما يتناول العنصرية ضد الأمريكيين من أصول آسيوية، على الصعيد التاريخي وفي الوقت الراهن أيضاً، ويختتم الفصل بالإسلاموفوبيا، ومعاداة السامية، وتسليح مجموعات الكراهية. ويشير إلى أن انتخاب باراك أوباما أمر مرحب به، ولكنه ذو أهمية كبيرة على الصعيد الرمزي فقط من قبل الذين يؤمنون بالتعددية الثقافية، إلا أنه بشكل جزئي يعكس حقيقة أن «المؤسسة البيضاء» تصبح أقلية، ويضيف: «الولايات المتحدة تبقى عنصرية بشكل عميق أكثر من مجتمع ما بعد العنصرية، فلا تزال السلطة بيد الرجال البيض، وأوباما قد استمر وعزّز الإمبريالية الأمريكية».

أوجه الكراهية في أستراليا

كما في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، فإن العنصرية متعددة الأوجه في أستراليا، ويتناول مايك كول ذلك في الفصل الثالث الذي يبدأه بمعاينة العنصرية غير القائمة على اللون، ويعود إلى بدايات الاستعمار والاستيطان في أستراليا، حيث بدايات الغزو على هذه الأرض وإبادة السكان الأصليين، بالإضافة إلى استغلال العمالة من السكان الأصليين، وخطف العمال من جزر بحر الجنوب لأجل القيام بأعمال السخرة.
كما يعاين الكاتب في هذا الفصل العنصرية تجاه الآسيويين أيضاً على المستوى التاريخي وفي الوقت الراهن، ويذهب إلى أبعد من ذلك في معادة الإيرلنديين، ومعاداة السامية أيضاً. ويشير إلى أن سياسة «أستراليا البيضاء» هيمنت على السياسة الأسترالية في أغلبية القرن العشرين، لكن الهجرة تمت بوساطة العنصرية الأنغلو سلتيك، ما أدى إلى إنتاج سوق عمالة مقسمة إلى فئات على أساس عنصري. وتحت هذا السوق المقسم تواجد السكان الأصليون، حيث تم تهميشهم بشكل دائم، ويرى أن العنصرية في أستراليا خلال نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين لا يمكن فهمها، إذ يجد أنه من خلال معاينة السياسة العدائية تجاه المهاجرين لحكومة كل من بولين هانسون وجون هوارد، نكتشف أن العنصرية لا تزال مستمرة إلى هذا اليوم، حيث هناك أشكال جديدة من التمييز العنصري غير مرتبطة باللون، موجهة ضد المجتمعات المهاجرة، وكما في المملكة المتحدة، فإن العنصرية تجاه طالبي اللجوء هي عنصر بارز في العنصرية الأسترالية اليوم. وتتشابه أستراليا مع بريطانيا وأمريكا في الإسلاموفوبيا والحملات التي تقودها مجموعات الكراهية، فضلاً عن انحدار التعددية الثقافية على مستوى الدولة.
وفي كل فصل من الفصول السابقة، ينطلق الكاتب من قاعدته المعرفية في الفلسفة، حيث يستخدم النظرية الماركسية الجديدة والغرامشية والألتوسيرية (نسبة إلى الفيلسوف الماركسي لوي ألتوسير) في محاولة فهم استمرار العنصرية، والقبول الكاسح للشعوب التي تعيش تحت الحكم الرأسمالي.

نظام عالمي بدماء الأبرياء

يرى الكاتب أن هناك عدداً من حالات الاختلاف والتشابه بين الدول الأنغلوفونية التي تشكل ركيزة هذا الكتاب، فبينما هذه الدول الثلاث تم الاستيطان فيها لآلاف السنين، فإن المملكة المتحدة ليس لديها سكان أصليون واضحون، كما في الولايات المتحدة وأستراليا، حيث لا يزال فيهما سكان أصليون بعدد ضخم. وقد أظهر الإحصاء الأمريكي الأخير أن هناك أكثر من خمسة ملايين من السكان الأصليين من الهنود الأمريكيين وسكان آلاسكا الأصليين أو ما يعادل 1.7 من إجمالي نسبة السكان في الولايات المتحدة، وفي أستراليا هناك أكثر من نصف مليون من الأصليين أو ما يضاهي 2.5 من إجمالي عدد السكان.
ويشير الكاتب: «بينما بعض أشكال العنصرية في المملكة المتحدة مرتبط بشكل كبير جداً بأيام الإمبراطورية البريطانية ومجموعة هائلة من المستعمرات التابعة للمملكة المتحدة، فإن كلاً من أستراليا والولايات المتحدة في الوقت الراهن، بالطبع، من نتاج المستعمرات الأوروبية، والتي لها أصولها على القارة الأولى في 1492، وعلى الثانية بعد 300 سنة تقريباً، في العام 1770. بالإضافة إلى ذلك، في كلتا الدولتين كان الغزو متبوعاً بالاستيطان، وأساساً في العام 1565 من قبل الإسبان في الأرض التي تسمى الآن الولايات المتحدة، وفي العام 1788 من قبل البريطانيين على الأرض التي تسمى أستراليا اليوم».
وخلال هذا العمل، قام الكاتب بإيجاد ارتباطات بين الرأسمالية والإمبريالية والاستعمار، ويستشهد بما كتبه كريس مارسدين من موقع الشبكة الاشتراكية العالمية الذي ذكر أنه لربع قرن من الزمن، منذ تفكك الاتحاد السوفييتي وإعادة إدخال الرأسمالية في روسيا والصين، فإن الإمبريالية العالمية كانت تسعى إلى جلب ما سماه جورج بوش الأب في العام 1991 بأنه سيكون «النظام العالمي الجديد». ويضيف: «في ذلك الوقت، أعلنت نهاية حرب الخليج 1990-1991 (عندما تم تشكيل ائتلاف من 34 دولة بقيادة الولايات المتحدة لمهاجمة العراق وردعها بسبب الهجوم على الكويت ومحاولة ضمها إلى الأراضي العراقية) رسمياً عن عالم «تقترب فيه الدول المتنوعة من بعضها حيال قضية مشتركة لتحقيق التطلعات العالمية للبشرية من سلام وأمن وحرية وسيادة القانون».
ويعلق: «منذ إعلان بوش الأب، قامت القوى الإمبريالية بإلحاق التدمير والخراب والموت بملايين الناس – المسلمين والشعوب الملونة بشكل كبير – في حروب بالبلقان، والشرق الأوسط، وآسيا الوسطى، وإفريقيا. وقد أثبتوا مراراً وتكراراً لا مبالاتهم بالمعاناة الإنسانية».
ويضيف: «باختصار بعد 11 سبتمبر، 2001، أعلن جورج بوش الابن الحرب على الإرهاب، وغرض هذه الحرب كما أشار كريس مارديسن، على الصعيد المحلي الأمريكي والدولي هو تقديم أساس منطقي سياسي لأجل إعادة تقسيم العالم بين القوى الإمبريالية الكبرى. فالتدخلات العسكرية في العراق، وأفغانستان وسوريا وليبيا وأي مكان آخر يحدث لوضع أنظمة تحافظ على وصولها إلى النفط والغاز والمصادر الجيوستراتيجية الأخرى، وذلك كجزء من محاولاتها في الهيمنة العالمية».
ويشير الكاتب إلى أن أقوال القوى الإمبريالية كانت شعارات فضفاضة وكاذبة سلبت عقول البعض إلا أن الأمر كان عكس ذلك، قائلاً: «وفي سياق هذه الصراعات الدموية، قامت القوى الإمبريالية بإسقاط القنابل على المدنيين العزل، وعذبت الأبرياء ونفذت الاغتيالات، وارتكبت جرائم حرب. ونهبت خيرات بلدان بالكامل».

جرائم لا تعرف حدوداً

يذكر الكاتب أنه في حرب العراق وحدها، وفقاً لتقرير صدر في العام 2013 من قبل باحثين أكاديميين في الولايات المتحدة وكندا والعراق بالتعاون مع وزارة الصحة العراقية، وفي تناقض صارح لتعهد بوش الأب بإرساء السلام وإحلال الأمن وجلب الديمقراطية وسيادة القانون، فإن ما يقارب نصف مليون شخص مات لأسباب مرتبطة بالحرب.
ويوضح ما أشار إليه معد التقرير الرئيسي آمي هاغوبلان، الذي ذكر أن العنف كان السبب في أغلب حالات الوفاة، لكن حوالي الثلث كان سبب موتهم مرتبطاً بشكل غير مباشر بالحرب.
ويقول في خاتمة الكتاب إن ما رأيناه في الفصول الثلاثة من الكتاب مرتبط بالعنصرية وفرض التمييز العنصري ضد الأقليات والمجتمعات المهاجرة، وبذلك يستشهد بما قاله مارسدين: «لا يمكن لأحد أن يصدق أنه ليس لمثل هذه الأفعال تأثير عميق على الحياة السياسة المحلية. إذ أنه في اقتصاد عالمي معولم، أصبح فيه السكان أكثر تنوعاً على الصعيد العرقي، فإن السخط الذي خلفته الجرائم الإمبريالية لا تعرف حدوداً لها. هذه هي بشكل خاص القضية ضمن المجتمعات المهاجرة والأقليات التي شهدت هجمات على الظروف المعيشية لدى الطبقة العاملة، تاركة ملايين الناس من دون عمل، تواجه ظروفاً قاسية بسبب الفقر المدقع».
ويقول إنه في الوقت الذي تكون فيه الإمبريالية الحديثة من دون شك متورطة في الإسلاموفوبيا العالمية، فإن قدرتها على الامتداد والوصول لا تحدها حدود. وكل القوى الإمبريالية من بينها الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وأستراليا، تأخذ دوراً كاملاً في «الصراع لأجل نطاقات التأثير». وكل منطقة من العالم مصدر من الصراع المرير، وليس فقط المستعمرات السابقة وشبه المستعمرات في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، بل حتى أيضاً في القطبين الشمالي والجنوبي وحتى خارج الفضاء والنطاق الإلكتروني.
ويختم الكتاب قائلاً: «من دون شك، ما لم يتم الوقوف في وجه الرأسمالية والإمبريالية بنجاح، فإن العمال والمجتمعات التي تتعرض للتمييز والتي تتحمل العبء الأكبر في الوقت الحاضر، سوف تزيد أعباءها إلى أقصى درجة في المستقبل. وخوفاً من ردود فعل العمال من حول العالم، تقوم «الطبقات الحاكمة في العام بالتجهيز وفقاً لذلك، حيث تجمع الأسلحة، وتبني جيوشاً من الشرطة، وتكثف هجماتها على الحقوق المحلية، وتتجسس على سكان العالم بشكل كامل. ولا شك أن الحرب على الإرهاب تقدم جزءاً من التبرير لهذا الأمر».
ويضيف: «كل الصراعات العالمية تفرخ التوترات التي تقود إلى «تقسيمات عرقية» واقتتال طائفي. وهناك تناقضات أساسية في النظام الرأسمالي بين تطوير الاقتصاد الرأسمالي العالمي وتقسيم العالم إلى دول متخاصمة، والتي تكون فيها الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج مترسخة. إن الرأسمالية ليست قادرة على تنظيم الاقتصاد العالمي بشكل عقلاني، لأنها تحتوي على بذور التدمير».

نبذة عن المؤلف

مايك كول أستاذ التربية في جامعة «إيست لندن»، وهو أستاذ أبحاث فخري في التربية والمساواة في جامعة بيشوب غروسيتيست في لينكولن. وتسلم قبل ذلك عدداً من المواقع الجامعية والبحثية في جامعة بريتون البريطانية، وتتركز أبحاثه حول العلاقة بين نظرية العرق النقدية والماركسية ضمن النظرية التعليمية، والعرقية والتربية، والنظرية التربوية والماركسية، واشتراكية القرن الواحد والعشرين في فنزويلا، والعنصرية غير القائمة على اللون.
له عدد من المؤلفات منذ 2006 ومنها: «تعليم المساواة وحقوق الإنسان: قضايا الجندر: الجنسانية والإعاقة والطبقة الاجتماعية»، وفي 2008 صدر كتابه «النظرية التربوية والماركسية: الأصول والقضايا»، وفي العام نفسه صدر له أيضاً «الصفات الاحترافية والممارسة للمعلمين: تلبية المعايير»، وأصدر كتباً عن المناهج في بريطانيا والأسلوب التربوي، وحقوق الإنسان، وترجمت بعض أعماله إلى لغات أخرى.

 

قد يعجبك ايضا ...