دول «البريكس».. ما بين مناهضة الرأسمالية ودعمها

355 (1)

تأليف وتحرير: باتريك بوند وآنا غارسيا
ترجمة وعرض: نضال إبراهيم

إحدى قصص النجاح الأساسية التي حققتها الرأسمالية في العقود الأخيرة هي صعود دول بريكس التي تتألف من البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب إفريقيا، حيث كانت دولاً نامية شهدت نمواً قوياً، وأصبحت من اللاعبين الاقتصاديين الدوليين الكبار. إلا أن صعودها طرح معه عدداً من الأسئلة المهمة والمعقدة على صعيد الاقتصاد، والسياسة، والديمقراطية، يحاول أن يجيب عنها 29 باحثاً وأكاديمياً في هذا العمل الذي بين يدينا.
يقدم هذا العمل تحليلات نقدية لصعود اقتصادات دول البريكس في إطار رأسمالية عالمية غير متساوية، وإقصائية، ومفترسة على حد وصف المحررين. ويعالج المساهمون فيه أسئلة مثل: هل ستفرض دول البريكس التغير الاجتماعي والابتكار على النظام السياسي والاقتصادي المتأسس؟ هل ستعلن انفتاحاً جديداً على الديمقراطية وحقوق الإنسان، أم من المحتمل أن تصبح قوى تمارس القمع السياسي؟ ما الذي ينبغي أن نتوقعه منها في السنوات المقبلة، خاصة أن بعض هذه الاقتصاديات تواجه عوائق كبيرة إثر الأزمة المالية العالمية؟

ويأتي الكتاب، بعد المقدمة، في ثلاثة أقسام، وهو صادر عن دار «بلوتوبرس» البريطانية في 300 صفحة من القطع المتوسط، أواخر 2015.
يعالج المحرران في هذا الكتاب الآفاق المستقبلية للقوة الإمبريالية من الأعلى، والقوى الناشئة من الوسط، والقوى الشعبية الوليدة المضادة من الأسفل، حيث يجدان أن الانحدار الاقتصادي النسبي للولايات المتحدة وأوروبا، واليابان، غالباً ما يكون مرتبطاً بصعود كتلة بريكس «الناشئة» التي تتكون من البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب إفريقيا.
ويشيران إلى أن دول «بريكس» تطالب بشكل منتظم بـ«مقعد على الطاولة» في عملية يسميها البعض «التعاون المضاد»، وذلك يعني، على الصعيد العملي، أنه في مناطق تتراوح من التمويل العالمي إلى تغير المناخ إلى العلاقات فائقة الاستغلال مع المحيط، حتى في كرة القدم، لا تهدف «بريكس» إلى قلب الطاولة على القوى الكبرى، بل التعاون معها ودعمها، ويقدمان أدلة حديثة على هذا الكلام:
بعد تمويل صندوق النقد الدولي بـ 75 مليار دولار في 2012، كان هناك في السنة التالية لقاءان لقادة البريكس (في ديربان وسانت بطرسبورغ) أعلنا عن عدم الرضى المتزايد عن مؤسسات بريتون وودز.
نية «بريكس» المصرح بها لخلق بنك التنمية الجديد برأسمال قدره 50 مليار دولار، وترتيب الاحتياط النقدي المؤكد نمط صندوق النقد الدولي بمبلغ قدره 100 مليار دولار، قد تمت في قمة فورتاليزا، لكن في نهاية المطاف، بالنظر إلى دور وزراء المالية الليبراليين الجدد في مفاهيمهم، فإنه تم الاحتفاء بها في واشنطن، كمكمل، وليس كمنافس، لهيكل القوى المالية الموجودة متعددة الأطراف.
يدير منظمة التجارة العالمية شخص برازيلي، وبناء على سياسة تحرر عدوانية أكثر، يحاول أن يكسر حالات الانسداد المستمرة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ما من شأنه أن يعيق نمو التجارة العالمية.
الاقتصادان الهندي والصيني يحتلان الصف الثاني بالنسبة للبيروقراطيات في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
تدور مفاوضات المناخ على النطاق العالمي بشكل متزايد حول علاقات واشنطن مع دول بريكس، أولاً من خلال الاتفاقية التي أبرمت في 2009 في كوبنهاغن (تضم أربعاً من دول بريكس الخمس)، وثم انقطاع الانبعاثات الصينية – الأمريكية التي تمت الموافقة عليها على المستوى الثنائي في 2014.
في العلاقات الثنائية الأخرى مع الهند وجنوب إفريقيا، حقق باراك أوباما تقدماً جوهرياً في رحلاته، على التوالي، خلال 2013 (مرتان)، وفي 2015.
تبقى كرة القدم أكثر عنصر تجاري مربح ورمزي من بين الرياضات في المشروع الإمبريالي، إلى جانب تحكم آلة «الفيفا» بلعبة كأس العالم بالتحالف مع النخب من الدول المضيفة (جنوب إفريقيا، البرازيل، وروسيا) من 2010 إلى 2018، ولا يهم التكلفة الاجتماعية الهائلة التي تضمنها بناء ملعب الفيل الأبيض وقمع الشغب المحلي. والأسوأ أن دول بريكس الأساسية دعمت إعادة انتخاب بلاتر إلى قيادة «الفيفا»، على الرغم من الأدلة الهائلة التي تثبت ارتكابه جملة من الأخطاء خلال فترة ولايته.

مواقف ضد القوى الغربية

ويشير محررا الكتاب إلى أنه تتوفر أيضاً أدلة تعويضية، أو مواقف، تظهر بعكس المذكورة أعلاه وهي: قاوم العديد من أعضاء «بريكس» الطلبات التي قدمتها الدول الغربية لفرض تحكم أكثر وأشد صرامة على حقوق الملكية الفكرية (في حال الأدوية أنقذ هذا الأمر حياة ملايين الناس في جنوب إفريقيا). أما على الصعيد الجغرافي، تحدى بعض قادة «بريكس» بشكل واضح واشنطن، بعد كشف الموظف السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إدوارد سنودين عمليات التجسس، وقبل قصف واشنطن المقترح لسوريا في 2013. وفي مارس/آذار 2014، دعمت دول «بريكس» بشكل واضح روسيا في صراعها على شبه جزيرة القرم، ولأجل ذلك فرضت مجموعة الـ7 عقوبات، وطردت روسيا (كان مقرراً أن يستضيف بوتين أساساً لقاء مجموعة الثماني في سوتشي بعد ذلك ببضعة أسابيع). حتى إن وزراء خارجية «بريكس» نجحوا في التهديد بالانسحاب من قمة مجموعة الـ 20 اللاحقة في أستراليا بأواخر 2014، إذا ما تحولت إلى مجموعة الـ 19 من دون روسيا.
ويوضح المحرران أيضاً أنه في مايو/أيار 2014، وافقت روسيا على إمداد الصين بالغاز من خلال العملات المحلية، وليس بالدولار الأمريكي، ساعية بذلك إلى تخفيف اعتمادها على المبيعات إلى السوق الأوروبية بشكل جزئي، حيث كانت العقوبات الناشئة عن فوضى أوكرانيا تلوح في الأفق.
كما أشارا إلى أنه في أوائل 2015، بدأت التطورات الاقتصادية الدراماتيكية بالكشف عن نفسها، حيث واجهت الأسواق الناشئة ضغطاً مالياً، وتحطم الروبل الروسي بسبب العقوبات وانهيار أسعار النفط، وكما أن الصين أطلقت البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، حيث كان المشاركون في تأسيسها من بين أغنى الدول الأوروبية ومؤسسات بريتون وودز، تاركة بذلك إدارة أوباما على الصعيد الدبلوماسي في وضع محرج.

اقتراب من الرأسمالية

يجد محررا الكتاب أن هذه الحوادث تشير إلى إمكانية أن دولتين على الأقل من دول «بريكس» – الصين وروسيا – تبنتا بين الفينة والأخرى مواقف «إمبريالية» ضد القوى الغربية، لكن بطريقة «التوقف في البداية» التي تكون غير متوقعة تماماً. وفي الوقت نفسه، مشروع «بريكس» الأساسي مشترك مع الواقع الراهن الغربي فيما يتعلق باستقرار العالم المالي، في توليد قدرات إضافية لآلية «مقرض الملاذ الأخير» وفي استقرار الحوكمة متعددة الأطراف. ويضيف: «لا تزال دول بريكس تقدم طلباً مستداماً لأجل الدولار الأمريكي، على الرغم من الفوضى النقدية، نتيجة لسياسات الاحتياطي الفيدرالي، إنه أمر محزن، لكنه حقيقي، إن شراء الصين للدولار سجل أعلى ارتفاع له خلال النصف الأول من 2014، انخفض بعض الشيء بعد سنة».
ويضيف الكاتبان أنه علاوة على ذلك، فإن دول «بريكس» تروج نموذجاً اقتصادياً عالي الكربون ويقوم على استخلاص المعادن، الأمر الذي من شأنه أن يهدد بتضخيم التدمير البيئي والاجتماعي الكارثي للرأسمالية المتقدمة. ويعلقان: «إن دور بريكس الراهن هو عرقلة بروتوكول كيوتو في تحديد تغير المناخ ويكشف أن روسيا تبنت المعاهدة في 2005، لكنها انسحبت في 2012، بينما في 2009، انضم قادة دول «البريكس» الآخرون إلى باراك أوباما في الترويج لمعاهدة كوبنهاغن في مفاوضات ما وراء الكواليس. واتفاقية 2009 تلك رفضت حداً إلزامياً على الانبعاثات، وفي اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية اللاحقة بشأن مؤتمر تغير المناخ، فإن دول «بريكس» (من بينها دولة جنوب إفريقيا المضيفة في 2011) كانت من بين تلك التي انضمت إلى واشنطن كأكثر الدول مقاومة لانخفاض الانبعاثات الملزمة ودفع ديون المناخ.
ويذكر المحرران أنه فيما يتعلق بتسريبات موظف وكالة الاستخبارات المركزية السابق إدوارد سنودين، فإن مراقبة المواطنين تبدو بالقسوة ذاتها في دول البريكس كما في الغرب الأنغلوفوني، إذ وصلت حتى إلى البرلمان الجنوب إفريقي في فبراير/شباط 2015، حيث كانت هواتف الصحفيين النقالة وإشارات «واي فاي» تحت مراقبة جهاز أمن مدينة بريتوريا الجنوب إفريقية. ويضيفان أن تجريم دول البريكس للحركات الاجتماعية وقمع المعارضين أسوأ حتى من مجموعة الـ 7. ويضيفان: «هيمنة دول بريكس السياسية والاقتصادية على جيرانها الأقل تنمية أصبح يشكل قلقاً متزايداً، مما دفع المراقبين والنقّاد إلى الافتراض باندماج دول البريكس شبه الإمبريالية إلى الرأسمالية العالمية.

محاور الكتاب

يتكون الكتاب من ثلاثة أقسام، الأول منه بعنوان (شبه إمبريالية، أم بين الإمبرياليات، أم رأسمالية – إمبريالية؟)، قسمه المحرران إلى خمسة فصول هي: «بريكس والموقع شبه الإمبريالي» لباتريك بوند الذي يركز على الأنماط الداخلية للاستغلال الهائل وإعادة إنتاج نظام عالمي قائم على الليبرالية الجديدة والعدوان العسكري، والثاني بعنوان «شبه الإمبريالية، أعلى مراحل الرأسمالية الخاضعة» ماتيس لوس، الذي يناقش الاختلافات بين دول «البريكس» وخاصة الصين وروسيا في النظام العالمي، وفق النظرية الماركسية، والثالث تحت عنوان «الإمبريالية – الرأسمالية والتناقضات الجديدة» لفرجينيا فونتس التي تجد أن سياق الهيمنة لا يمكن فهمه على أنه خارجي فقط، بل هناك ارتباطات متشابكة بين الدول، والرابع بعنوان «بريكس ومجموعة العشرين والإمبراطورية الأمريكية» كتبها ليو بانيتج، حيث يتناول الصراعات الطبقية في دول مجموعة العشرين والخصومات بين المؤسسات، أما الفصل الخامس فهو بعنوان «الطفرات الرأسمالية في الليبرالية الجديدة المحيطية والمتوسطة والناشئة» لكلوديو كاتز، فيركز على التضخم وأسعار الغذاء والإنتاج في دول البريكس وتركيا وبلدان أخرى.
أما القسم الثاني من الكتاب بعنوان (بريكس «تطور» إفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وأوروبا الشرقية) وتتألف من ثمانية فصول تعبر عناوينها عن محتواها وهي بالترتيب: «لمحات عن شركات بريكس خلال استخراج المعادن في إفريقيا «بقلم باروتي أميسي، باتريك بوند، ريتشارد كاميدزا، فاراي ماغوو، وبوبي بيك»، قصة الصياد أم الطريدة؟ دور البرازيل في أنغولا وموزامبيق بقلم آنا غارسيا وكارينا كاتو، و«استراتيجية النفط الجيوسياسية للصين في منطقة الأنديز» بقلم عمر بانيلا مارتينيز، ثم «تمدد شركات البناء البرازيلية عبر الدول» بقلم بيدرو هينريك كامبوس، و«ما وراء صورة التضامن الجنوبي-الجنوبي في شركة «فالي» البرازيلية بقلم جوديث مارشال، ويتبعه «الأحداث الكبرى المدمرة في ريو» بقلم إينار براثين، غيلمار ماسكارينهاز، سيلينا سوربوي، ثم «روسيا الحديثة كرأسمالية خاضعة وشبه محيطية» بقلم روسلان دزاراسوف، و«الإمبريالية الليبرالية الجديدة في روسيا والتحدي الأوراسي» بقلم غونزالو بوزو.
وجاء القسم الثالث من الكتاب تحت عنوان «بريكس ضمن الرأسمالية العالمية»، ويتألف من 11 فصلاً، وأيضاً تعطي عناوينها فكرة واضحة عن محتواها، وهي: «بريكس والرأسمالية الممتدة عبر الدول» بقلم ويلام روبنسون، و«بريكس على حافة الطفرة الأحفورية» بقلم إيلمار آلتفاتر، ثم «الاندفاع، والمقاومة واستراتيجية عدم الانحياز الجديدة» بقلم سام مويو وباريس يروس، ويتبعه «تبني بريكس الخطير للاندماج المالي» بقلم سوزان سويدربيرغ، وثم «الصين وباكس أمريكانا الدائمة» بقلم هو- فانغ هونغ، وكذلك «المسار المستقبلي لدول بريكس» بقلم آجين فانايك، و«هل للجنوب تاريخ محتمل» بقلم فيجاي براشاد، ثم «دول بريكس تخدم مصالح من؟» بقلم إيمانويل واليرستين، ويتبعه «بريكس بعد قمتي ديربان وفورتاليزا» بقلم نيال ريدي، ثم «بناء بركس من الأسفل» بقلم آنا غارسيا، و«دول بريكس الخاضعة بالاشتراك من الأعلى، دول بريكس التي تم اختيارها من الوسط، دول بريكس الصدامية من الأسفل» بقلم باتريك بوند.

خاتمة:

يحاول المحرران أن يحققا في عملهما ومساهمات الأكاديميين الآخرين هدفين، الأول منهما هو جمع التحليلات التي تعزز النقاش حول سياسات دول البريكس، بين الحركات الاجتماعية، والعمالة المنظمة والنشاطات الأخرى في الصراع لأجل العدالة الاجتماعية، ولأجل إيجاد بدائل للنظام الرأسمالي الدولي الحالي، ومثل هذا النقاش كان موجوداً في القمم المناهضة في جنوب إفريقيا في عام 2013 والبرازيل في 2014، ويتمنيان أن تستمر في السنوات المقبلة، خاصة مع ازدياد التناقضات في النظام العالمي ودول البريكس.
ويعلقان: «دول البريكس جديدة، بالأحرى منطقة قلق مؤقتة بالنسبة للعديد من الحركات الاجتماعية المناهضة لليبرالية الجديدة، لكننا واثقان أن الحساسيات النقدية نفسها سوف تستمر، وأن تلك الحركات والمنظمات غير الحكومية التي تبنت مؤقتاً التفاؤل غير الواضح لدول البريكس من الأعلى سوف يستمر بالانعكاس على العديد من السلبيات المرتبطة بممارسات النخبة».
أما الهدف الثاني الذي يحاول أن يقدمه الباحثان هو إحداث نقاش أكاديمي رصين يتضمن النقاشات النظرية والمواضيع المعاصرة، مثل إذا ما كانت «البريكس» تمثل حالات شبه إمبريالية، وشكل التنموية الجديدة فيها، وغيرها من الأسئلة المطروحة.

المؤلفان في سطور:

* باتريك بوند يدير مركز جامعة كــوازولـــو نــاتـال للمجتمع المدني في ديربان، وهـــــــو بروفيسور سابق في الدراسات التنموية، كما أنه أستاذ الاقتــصـاد السـيــاســـي فــــي جــامـعة ويتس بجوهانسبرغ، وله العديد من المؤلفات والأبحاث من بينها «تحول النخبة»، وتتمحور دراساته وأبحـــاثــه حــول الاقتـصاد السياسي، والبيئة والسياسة الاجتماعية والجغرافيا السياسية.
* آنا غارسيا أستاذة في العلاقات الدولية في جامعة ري ودي جانيرو الريفية الفيدرالية، وأستاذة مساعدة في معهد السياسة البديلة لساوثرن كون، وتتقن العديد من اللغات، حيث تستفيد منها في أبحاثها ودراساتها، وحتى خلال محاضراتها، وشــاركت في تأسيس العـديــد من المراكز البحثية والمجتمعية.

 

You may also like...