2016.. قفزات في المسرح والتشكيل

الشارقة: محمد ولد محمد سالم

حفل عام 2016 بالنشاط المسرحي، وشكلت مجمل المهرجانات والعروض المسرحية حالة مستجدة من النشاط الذي يوحي بانتعاش الساحة وحركيتها، ويبشر بمستقبل أكثر إبداعاً وتطوراً، واستهل العام بإطلاق «مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي» ليكون رافداً جديداً من روافد الحركة المسرحية في الإمارات، وأفقاً يجرب فيه الشباب قدراتهم، وهو يُعنى بضرب من الأداء المسرحي تبلور أكثر في السنوات الأخيرة وهو مسرح الثنائيات، أو ما يعرف بالديودراما الذي يعتمد على المواجهة الأدائية القائمة بين ممثلين فقط، وجاء المهرجان في إطار سعي إدارة المسرح في دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة المستمر إلى الاحتفاء بمختلف الظواهر المسرحية، وفتح الباب أمام الفنان الإماراتي لتجريب مختلف الأنواع المسرحية.
يقوم مسرح الثنائيات على ممثليْن فقط يلعبان الأدوار على الخشبة ويدخلان في حوار متواصل عبر مشاهد العرض، ويعتمد نجاح العرض بشكل كبير على قدرتهما معاً على تجسيد الشخصيتين وما يعتريهما من تحولات نفسية ناجمة عن التصاعد الدرامي، وما يتبع ذلك من أوضاع حركية وصوتية، وشاركت في الدورة الأولى من المهرجان خمسة عروض، هي: «الجزيرة»، لجمعية دبا الحصن للفنون الشعبية والمسرح، من تأليف الكاتب الجنوب إفريقي أثول فوغارد، وإخراج أنس عبد الله، ومن المغرب عرض «أمر» لفرقة المحترف للفنون، من تأليف أحمد السبياع وإخراج خالد الجنبي، و«أعراس آمنة» لفرقة «ع الخشب» الأردنية، من تأليف إبراهيم نصر الله وإخراج يحيى البشتاوي، و«كنبال» لفرقة كنفاس الجزائرية، إعداد سفيان عطية عن نص «أكلة لحوم البشر» للكاتب السوري الراحل ممدوح عدوان، وإخراج هشام شكيب، و«زكريا حبيبي» لفرقة المسرح الكويتي، من تأليف الإماراتي ناجي الحاي، وإخراج أحمد السلمان، وكانت التجربة ناجحة، وأحدثت حراكاً ثقافياً في تلك المدينة الشرقية الصغيرة.
جاء مهرجان المسرح الثنائي ليضاف إلى سلسلة المهرجانات التي أطلقتها دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة – إدارة المسرح مؤخراً ووزعتها على مدن الإمارة لتشكل مناسبة ثقافية وفنية كبيرة في تلك المدن، وتحرك عقول أبنائها بالانفتاح على المسرح، وفهم دوره، مثل مهرجان خورفكان المسرحي، ومهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي، ومهرجان المسرحيات القصيرة وغيرها.

وخلال هذا العام أيضاً أقيمت كل الفعاليات المسرحية الدورية في أوقاتها المعتادة، ولوحظ في الدورة السادسة والعشرين من مهرجان أيام الشارقة المسرحية مشاركة واسعة للمخرجين المخضرمين، وكان التنافس فيها قوياً، وقدمت خلالها مسرحيات كانت على مستوى ما كرسته الأيام خلال مسيرتها الطويلة، وعكست المسرحيات التيارات المتعددة للمسرح الإماراتي والتوجهات المختلفة للمسرحيين، بين من يرجع إلى تراث المجتمع ويستقي منه مادة عروضه، ومن يتجه إلى الحاضر، ومن ينظر من زاوية عالمية، فيأخذ عن كتاب عالميين، وأثبتت تلك الدورة أن المسرح الإماراتي يعيش فترة انتعاش، ولا شك في أن المهرجانات الكثيرة التي أشرنا إليها سابقاً تساهم بقسط وافر في تحريك الساحة، وحشد الطاقات لأيام الشارقة المسرحية، أما فيما يخص مهرجان دبي لمسرح الشباب، فقد واصل عمله على تطوير أداء الشباب على مستوى الإخراج والتمثيل، ومكنت الحوافز الجديدة، والورش التي سبقته من تطوير العمل، وجعل الشباب أكثر فهماً لماهية المسرح.
واختتمت الأنشطة لهذا العام بالدورة الثانية من مهرجان الشارقة للمسرح الصحراوي الذي يجد رعاية واهتماماً خاصاً من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، تجاوزت الدعم المادي والمعنوي إلى الدعم الإبداعي بنصوص مسرحية، حيث استهلت كل من دورتيه بعرض مسرحي مبني على نص من نصوص سموه.
على الصعيد العربي واصل مهرجان المسرح العربي الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح تكريس حضوره كأهم مهرجان عربي يشارك فيه سنوياً مئات الفنانين المسرحيين العرب، ويلقى احتفاء من الدول التي يقام فيها، وفي دورة الكويت في يناير/‏كانون الثاني الماضي كانت التجارب تشي بأن المسرح العربي بخير، وقد أفسح المهرجان مجالاً واسعاً للتجارب الحداثية، والرؤى الإخراجية الجديدة التي تستفيد من الوسائط التكنولوجية المتطورة.
أما على صعيد المشاركات الخارجية للعروض الإماراتية فقد شهدت حراكاً لافتاً هذا العام، فخلال الأشهر الثلاثة الماضية شاركت ثلاثة عروض إماراتية في مهرجانات دولية كبيرة، فشاركت «أيام اللؤلؤ» التي ألفها وأخرجها ناجي الحاي لمسرح دبي الأهلي في مهرجان شاكي الدولي في أذربيجان وهو واحد من أقوى المهرجانات في منطقة آسيا الوسطى، ويتمتع بسمعة دولية، ولا يتم الترشيح له بسهولة، أما المشاركة الثانية فكانت «تحولات حالات الأحياء والأشياء»، تأليف قاسم محمد وإخراج محمد العامري لمسرح الشارقة الوطني، التي شاركت في الدورة الثالثة والعشرين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، التي نظمت في أكتوبر/‏تشرين الأول الماضي، المشاركة الثالثة كانت لعرض «شيطان البحر» إخراج أحمد الأنصاري، لفرقة المسرح الحديث في الشارقة، وهي من تأليف مرعي الحليان، وقد شاركت في مهرجان الأردن المسرحي الثالث والعشرين الذي نظم في نوفمبر/‏تشرين الثاني الماضي في العاصمة عمّان.
كان حضور تلك العروض بارزاً، وحصل بعضها على تكريمات وجوائز، وتركت في مجموعها انطباعات جيدة عن واقع الحركة المسرحية الإماراتية، وقد عكست في مجموعها جدة في الطرح والتناول من عدة زوايا، فركز عرض «اللؤلؤ» على استغلال لغة الجسد لأبعد الحدود، وجعلها معادلاً للحوار، فكان ما تقوله الحركة يوازي ما تقوله الحوارات، وركز عرض «شيطان البحر» على صناعة مختلف الأجواء والفضاءات التي تكتنف الحدث الدرامي، مهما كانت تلك الأجواء بعيدة عن المسرح مثل (أجواء البحر)، ونجح عرض «تحولات حالات الأحياء والأشياء» في إدخال مسرح العرائس في صلب العرض المسرحي العادي، وإقامة ترابط أصيل بينهما.
من المهم كذلك الإشارة إلى مهرجان دبي لمسرح الشباب، الذي تنظمه هيئة دبي للثقافة والفنون والتي احتفت في هذا العام بمرور عشرة أعوام من النجاح المتواصل، وعقدت دورتها في الفترة ما بين 22 وحتى 31 من شهر أكتوبر الماضي عبر سعي المهرجان إلى تسليط الضوء على المواهب المسرحية في الإمارات، من خلال تشجيع الفرق المسرحية الأهلية في الدولة على إنتاج أعمال مسرحية تُعرض خلال فترة المهرجان، إضافة إلى تكريم أفضل الأعمال والمشاركين فيها خلال الحفل الختامي، يشهد المهرجان في كل دورة من دوراته عقد ندوات تطبيقية تلي العروض المسرحية لتنمية مواهب الشباب المسرحية، وتعميق دور مسرح الشباب، وتأسيس قاعدة جماهيرية عن طريق الترويج لأنشطة المهرجان في وسائل الإعلام المختلفة.
وإلى جانب استحداث الجوائز للمواهب الجديدة في مختلف المجالات المسرحية، تُكرّم سنوياً شخصية مسرحية إماراتية أو أكثر من رواد المسرح، وذلك بهدف تقديم نموذج يحتذي به الشباب، بعد التعريف بمسيراتهم وإنجازاتهم الفنية، وأبرز المحطات في حياتهم الشخصية.
على مستوى الفنون التشكيلية شهد عام 2016 تنظيم كل الفعاليات التشكيلية الدورية التي ترعاها المؤسسات الثقافية في الإمارات، سواء هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة أو هيئة دبي للثقافة والفنون أو دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، حيث أقيمت معارض تشكيلية في منارة السعديات في أبوظبي، ونظمت دورة جديدة من «آرت دبي»، ونظم مهرجان الشارقة للفنون الإسلامية، إلى جانب الأنشطة والمعارض الشهرية والأسبوعية التي تنجزها تلك المؤسسات وغيرها.
وكان الحدث الفني الأبرز في عام 2016 هو وفاة الفنان التشكيلي الإماراتي حسن شريف في 18 سبتمبر/‏أيلول الماضي، وهو يعتبر رائد الفن المفاهيمي في الإمارات، ولد الراحل في دبي عام 1951، وقد بدأ رساماً للكاريكاتير في الصحف والمجلات في سبعينات القرن الماضي، ثم سافر إلى بريطانيا لدارسة الفنون، وهناك تعرف إلى المدارس الحداثية في الفنون وبدأ اهتمامه بتلك الفنون، وبعد تخرجه في عام 1984، رجع يحمل هم تطوير الحركة الفنية الإماراتية، وأراد أن يحرق بها المراحل، فيأخذها من العدم إلى آخر مذاهب الفن الحداثية، دون المرور بأية مراحل، وعمل بصبر وأناة، وواجه كل التحديات من أجل أن يضع فنه وفن الإمارات في العمق من الحركة الفنية العالمية، وعانى الرفض والصدود وعدم الفهم في ساحة لم تكن مهيأة لما جاء به، لكن شريف عرف كيف يحتال على الرفض، فعمل بجد واجتهاد عن طريق الدورات التدريبية والورش المكثفة، وساهم في تأسيس جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، وظل حاضراً في قلب الحركة الفنية، وأسس «مرسم الفن في مسرح الشباب» في دبي، الذي شكل ملتقى فنياً وفكرياً، وتخرج منه الكثيرون ممن أصبحوا دعائم الحداثة في التشكيل الإماراتي.
كذلك حمل معرض جمعية الإمارات للفنون التشكيلية السنوي ال34 هذا العام صبغة جديدة على مستوى التعاون مع الشركاء والداعمين، فإلى جانب دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة الشريك الدائم لهذا المعرض، كانت هناك ولأول مرة هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، التي رعت جزء المعرض المقام لأول مرة في أبوظبي، وكذلك مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون، ومؤسسة بارجيل للفنون، ومجموعة بي إس إيه أحمد بن هزيم وشركائه للمحاماة والاستشارات القانونية، وهو ما يوحي باتساع دائرة الاهتمام بالفنون التشكيلية، وإفساح المؤسسات العمومية والخاصة مساحة في خططها للدعم المجتمعي لهذا المجال الفني، وكذلك يعني نجاح خطط المؤسسة في استقطاب الشركاء، وقد جاء المعرض هذا العام تحت عنوان «سفينة نوح» واستضافه متحف الشارقة للفنون، ومنارة السعديات في أبوظبي خلال الفترة من 12 يناير/‏كانون الثاني حتى 21 مارس/‏آذار، وطرح المعرض عنوان «سفينة نوح» من أجل سرد بصري فكري، مُرَمَّز وملحمي، بما يشير إلى تجمع أعراق وثقافات وأديان، بل وكائنات حيوانية ونباتية وطيور وجماد في مكان واحد، هو الأرض مُجملاً، ودولة الإمارات حصراً، نموذجاً مكملاً وممتداً لنماذج أخرى في تاريخ التجربة الإنسانية، بما يبرز ما تتمتع به الإمارات من كونها نموذجاً فريداً للدولة التي يتحقق فيها التعايش بين مئات الجنسيات من مختلف أنحاء العالم، وقد نجح أيضاً في استقطاب عدد كبير من الفنانين الإماراتيين الذين شاركوا فيه بفاعلية كبيرة.
حمل ملتقى الشارقة لفن الخط العربي في دورته التاسعة الذي تنظمه دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة، وأقيم في شهري إبريل/‏نيسان ومايو/‏أيار الماضيين، حمل شعار «نقطة»، وقد حفز ذلك الشعار الفنانين على تقديم أعمال فنية تقيم الصلة بين الفنون الإسلامية والمفاهيم المرتبطة بها، والفنون العالمية، حيث إن للنقطة دلالات فنية وفكرية مرتبطة ارتباطاً أصيلاً بفن الخط العربي وجمالياته، وتاريخ تطوره، كما أنها معيار ومفهوم عالمي فني وفلسفي يمكن أن يقيم روابط بين الخط العربي وفنون أخرى.
استهل شهر مايو الماضي في أبوظبي بمعرض خاص احتضنه «غاليري الاتحاد للفن المعاصر»، وحمل صبغة أسرية، حيث جمع بين الفنان الإماراتي عبد القادر وابنيه مصعب الريس، وسمية الريس، في أول تجربة من نوعها لما يمكن أن يطلق عليه «عائلة فنية إماراتية»، والريس هو أحد رواد الفن التشكيلي في الإمارات، تميز أسلوبه بالأصالة الفنية، وجمع بين الواقعية والتعبيرية، وبرع في التلوين، وصناعة المناظر الطبيعية، وفي الاشتغال على عناصر البيئة والتراث الإماراتيين، وقد شكل مدرسة خاصة أصيلة في مواجهة موجة الحداثة التي اجتاحت التشكيل الإماراتي، وضمنت له موهبته الفريدة حضوراً دائماً على الساحة الفنية، وقد نقل تلك الموهبة إلى أبنائه الذين بدأوا يشقون طريقهم في مجال الفن.
في مسعى لتفعيل التواصل الفني العربي، والتعريف بتاريخ الحركة التشكيلية العربية، وتوثيقها، نظمت مؤسسة الشارقة للفنون معرضاً يضيء على مشهد الفن التشكيلي في السودان منذ حقبتي الستينات والسبعينات من القرن الماضي وإلى اليوم، ويجيء هذا النشاط ليفتح نافذة للتعرف إلى لحظة مهمة في تاريخ الفن في بلاد النيلين، كما يتيح فرصة نادرة لالتقاء بثلة من الأسماء الفنية السودانية التي نشطت خلال تلك الحقبة وما بعدها، ولكنها تفرقت في أنحاء المعمورة لأسباب مختلفة، وضم المعرض ثلاثة أجنحة أحدها ل «مدرسة الخرطوم.. حركة الفن الحديث في السودان (1945 الحاضر)»، وعرضت فيه أعمال 60 فناناً من أبرز الفنانين السودانيين، منهم: إبراهيم الصلحي، وأحمد شبرين، وحسن موسى، ويجمع هذا المعرض للمرة الأولى أعلام مدرسة الخرطوم، والجناح الثاني خصص ل (كمالا إبراهيم إسحاق: نساء في مكعبات بلورية 1965 الحاضر)، وأضاء على تجربة تلك الفنانة التي كرست ما عُرف في الأوساط التشكيلية السودانية ب «المدرسة الكريستالية»، أما الجناح الثالث فخصص لعامر نور: (سعة الأفق.. إيجاز العبارة 1956)، وضم العديد من الرسومات والصور الفوتوغرافية والمنحوتات.

قد يعجبك ايضا ...