500 معالجة لأسطورة دون جوان في أوروبا وأمريكا

500-%d9%85%d8%b9%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a9-%d9%84%d8%a3%d8%b3%d8%b7%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%af%d9%88%d9%86-%d8%ac%d9%88%d8%a7%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a3%d9%88%d8%b1%d9%88%d8%a8%d8%a7-%d9%88%d8%a3%d9%85

القاهرة: «الخليج»

هذه أول ترجمة عربية لملحمة ساخرة من أي لغة أجنبية، بل إنها أولى ترجمة لعمل طويل كتبه شاعر رومانسي إنجليزي، خصوصاً للورد بايرون، فنحن لا نعرف عنه إلا أنه شاعر الحب والغزل وهي الصورة التي قدمها البعض في ترجمات ناقصة، لا تلتزم كثيراً بالأصل لأجزاء من قصيدته الطويلة، «أسفار تشايلد هارون» أو لمقطوعات متفرقة من شعره الغنائي، على حد تعبير د. محمد عناني في تقديمه لملحمة لورد بايرون الساخرة «دون جوان». يقول د. عناني: «ويكفي للتدليل على أن صورة بايرون العربية تكاد تقتصر على بواكير شعره، أننا في»دون جوان»سوف نشهد لوناً بالغ الاختلاف من الشعر، خصوصاً في»النغمة»ولما كان نشر هذه القصيدة الطويلة (الملحمة الساخرة) في عصر بايرون قد لاقى صعاباً كثيرة بسبب هجومه على بعض الساسة عموماً، وبسبب التزمت الذي كان يسود المجتمع آنذاك، لم تجد القصيدة ما هي جديرة به من التقدير إلا في منتصف القرن العشرين، بعد أن زال ضيق الأفق أو كاد، وبعد أن زالت المحاذير السياسية».
كان بايرون من أقوى دعاة الحرية وأنصارها، سواء كانت الحرية الشخصية أو الحرية العامة، وكان يجب أن يصور نفسه في صورة «رجل الأفعال» لا «رجل الأقوال» وفي عام 1823 دعي إلى الانضمام إلى اللجنة الثورية اليونانية التي كانت تكافح في سبيل تحرير اليونان من الحكم التركي، فلبى الدعوة بحماسة واعتنق تلك القضية اعتناق المؤمن المناضل، وبذل جهوداً جبارة لإزالة الخلافات القائمة بين القادة اليونانيين، وأظهر في ذلك براعة فائقة في التنظيم والتدبير، وقضى مدة طويلة معهم حتى أصيب في إبريل/نيسان عام 1824 بالحمى، ولم يلبث أن توفي بمقر قيادة الحركة، فحزن عليه أصدقاؤه من الإنجليز واليونانيين أشد الحزن.
أما عن جذور أسطورة «دون جوان» فهي غامضة، وإن كان بعضها يضرب في أعماق الآداب الشعبية الأوروبية، ومعنى «دون» الإسبانية تقترب من لقب «السير» الإنجليزية و«جوان» التي تقابل خوان بالإسبانية الحديثة، تقابل الاسم الشائع «جون» بالإنجليزية، وتنسب هذه الشخصية الأدبية إلى كاتب مسرحي إسباني عاش في مطلع القرن السابع عشر، واشتهر باسم «تيرسو دي مولينا» وهو الاسم المستعار الذي اتخذه لنفسه، وفي نحو عام 1616 كتب هذا الكاتب مسرحية بعنوان «مضحك إشبيلية والضيف الحجري» ويقول البعض إن بايرون كان يعرف هذه المسرحية، وينكر البعض أنه شاهدها على المسرح، لكن المؤكد أنه اطلع على بعض الأعمال الأدبية المبنية عليها، وهذه المسرحية تتضمن الصورة الأولى للأسطورة التي كانت نقطة انطلاق هذه القصيدة للورد بايرون.

كانت حبكة هذه المسرحية أساساً لعدد كبير من المعالجات الأدبية لقصة «دون جوان» بلغات كثيرة، وقد أحصاها أحد النقاد فوجدها تقارب 500 معالجة في معظم بلدان أوروبا وأمريكا وقد شهدت صورة دون جوان الأدبية تحولات كثيرة على مر القرون، فأعاد كل مؤلف صياغتها وفقاً لمزاجه الخاص أو لروح عصره، فكان دون جوان يظهر أحياناً في صورة بطل وأحياناً في صورة شرير، وأحياناً أخرى في صورة سيد مهذب، بل وأحياناً في صورة وغد حقير، ولكن معظم الكتاب احتفظوا ببعض ملامح حبكة «تيرسو دي مولينا» وما أضفاه على بطله من ملامح العاشق الذي لا يأبه لشيء ولا يقيم وزناً للشفقة والعطف. لكن معالجة بايرون خاصة وتختلف اختلافاً بيناً عن كل ذلك، فالبطل لديه عاشق، وأخطاؤه أخطاء الضعف البشري، لا أخطاء شر متأصل أو خبث دفين، وإن كان بايرون يدين – على الأرجح – بحادثة تحطم السفينة والرسوم على الشاطئ وقصة الحب الشاعرية بين دون دجوان وهايدي إلى الأسطورة القديمة، وباستثناء ذلك نجد أن كل ما في القصيدة الطويلة من ابتداعه، وأنه يقيمه على أساس خبرته وملاحظته الشخصية، أو على أساس ما قرأه مما لا يتصل اتصالاً مباشراً بالأسطورة، أضف إلى ذلك أنه يكتب قصيدة طويلة، حافلة بالاستطرادات، ويستطيع أن يهيئ لبطله من حرية الحركة ما قد يتعذر في المسرح، وكل غرام يقع فيه دون جوان لا صلة له بالأسطورة القديمة.

You may also like...